1 2 3 4
1 2 3 4 5 5

 
العودة   منتديات ورود الرياض > المنتديات الادبيه > بوح الخواطر , خواطر رومانسيه , خواطر عتاب وحزن , خواطر × خواطر
 

بوح الخواطر , خواطر رومانسيه , خواطر عتاب وحزن , خواطر × خواطر خواطر حزينه - خواطر رومانسيه - خواطر عتاب - خواطر غزل - خواطر حب - خواطر بوح الخواطر , خواطر رومانسيه , خواطر عتاب وحزن , خواطر × خواطر خواطر حزينه - خواطر رومانسيه - خواطر عتاب - خواطر غزل - خواطر حب - خواطر

((( الحب))) ------> اتحدى الي يقراهـ كامل للفائده

((( الحب))) ------> اتحدى الي يقراهـ كامل للفائده افتتاحية المحرر (( مفهوم الحب )) من المفاهيم المركزية التي قام عليها الإسلام منذ مرحلة تأسيسه فصبغ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-01-2010, 10:09 PM   رقم المشاركة : ( 1 )


 
لوني المفضل : Cadetblue
رقم العضوية : 1198
تاريخ التسجيل : Dec 2009
فترة الأقامة : 778 يوم
أخر زيارة : 13-02-2010
المشاركات : 88 [ + ]
عدد النقاط : 10
 
 
 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مـ كل حي احساسه حي ـو غير متواجد حالياً

((( الحب))) ------> اتحدى الي يقراهـ كامل للفائده




افتتاحية المحرر

(( مفهوم الحب )) من المفاهيم المركزية التي قام عليها الإسلام منذ مرحلة تأسيسه فصبغ كل تعاليمه وتوّجها بعاطفة الحب التي هي المحرك الفاعل فيها . بل إن الحب في الله لون من ألوان العبادة المأمور بها شرعاً في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

إنه يعني " الصفاء والنقاء " ويضم إلى ذلك معنى الالتزام والثبات وهو ما يفرق بين العاطفة والانفعال بالمعنى النفسي للكلمتين ؛ فالعاطفة تتسم بالهدوء والاستقرار والاستمرار على عكس الانفعال .

إن (( هرم الحب )) يتسع ثم يضيق . يتسع ليشمل الأسرة والمجتمع ، ويضيق ليصل إلى أصل الحب وينبوعه وهو حب الله سبحانه .

لكننا نركز في هذا المحور ( في عدده الأول ) على (( آدم وحواء في واحة الحب )) لنبين موقع الحب الطاهر من البناء الأسري وندعم ذلك بصورة حية ((من واقع الحب )) جسدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين رضوان الله عليهن ، وشعر الأزواج والزوجات المحبين ضمن رباط الزوجية المقدس الطاهر .

وكشأن كل المفاهيم لم يسلم لها ذلك الصفاء والنقاء ، فطرأ عليها ما يعكرها ويشوبها بشائبة سوء لطخت سمو معناها ، وطهارة مبناها ، ونقاوة إيحاءاتها بأوحال الرذيلة لأغراض كثيرة نبينها في محور (( تشويه الحب في الأدب والإعلام العربي )) .

ثم نختم - على عادتنا في كثير من محاور الأسرة - بنماذج (( من واحة شعر المحبين )) تتسم - في جملتها - بسحر البيان وصدق العاطفة الجيَّاشة .

المحرر ..


مفهوم الحب

معنى الحـب وأصل اشتقاقه :

قيل : إن المحبة أصلها من : الصَّفاء ، ذلك أن العرب تقول في صفاء بياض الأسنان ونضارتها: ( حَبَبُ الأسنان ).

وقيل : إنها مأخوذة من الحُباب . وهو الذي يعلو الماء عند المطر الشديد. فكأنَّ غليان القلب وثوراته عند الاضطرام والاهتياج إلى لقاء المحبوب يُشبه ذلك.

وقيل : مشتقة من الثبات والالتزام ، ومنه : أَحَبَّ البعير، إذا برك فلم يقُمْ، لأن المحبَّ لزم قلبه محبوبه .

وقيل : النقيض ، أي مأخوذة من القلق والاضطراب، ومنه سُمى (القرط) حبّاً لقلقه في الأذن ، قال الشاعر :

تبيتُ الحية النّضْناض منه

مكان الحَبِّ تستمع السِّرارا

وقيل : بل هي مأخوذة من الحُبِّ جمع حُبَّة وهي لباب الشيء وأصله ؛ لأن القلب أصل كيان الإنسان ولُبّه ، ومستودع الحُبِّ ومكمنه.

وقيل : في أصل الاشتقاق كثير غير هذا، لكننا نعزف عن الإطالة والإسهاب . ولتعريف الماهية نقول إن الحب هو: الميْل الدائم بالقلب الهائم، وإيثار المحبوب على جميع المصحوب ، وموافقة الحبيب حضوراً وغياباً ، وإيثار ما يريده المحبوب على ما عداه ، والطواعية الكاملة ، والذكر الدائم وعدم السلوان ، قال الشاعر:

ومَنْ كان من طول الهوى ذاق سُلْوَةً

فإنِّيَ من ليْلى لها غيرُ ذائقِ

وأكثر شيء نِلتـُهُ من وصالها

أَمانِيُّ لم تصدُق كلَمْعةِ بارقِ

أو عمى القلب عن رؤية غير المحبوب ، وصَمَمهُ عن سماع العذل فيه، وفي الحديث الذي رواه الإمام "أحمد" تصديق ذلك، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [حُبُّك الشيءَ يُعْمي ويُصمّ ].

أو الحضور الدائم ، كما قال الشاعر:

يا مقيماً في خاطري وجَناني

وبعيداً عن ناظري وعِياني

أنت روحي إن كنتُ لستُ أراها

فهي أدنى إليّ من كُلِّ دانِ

وقال آخر:

خيالك في عيني، وذكراك في فمي

ونجواك في قلبي، فأيْن تغيبُ ؟!

أسماء الحب ومراحله :

وضعوا للحب أسماء كثيرة منها المحبة والهوى والصبوة والشغف والوجد والعشق والنجوى والشوق والوصب والاستكانة والود والخُلّة والغرام والهُيام والتعبد. وهناك أسماء أخرى كثيرة أمسكنا عن ذكرها التقطت من خلال ما ذكره المحبون في أشعارهم وفلتات ألسنتهم وأكثرها يعبر عن العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة.

الهوى : يقال إنه ميْل النفس ، وفعْلُهُ: هَوِي، يهوي، هَوىً، وأما: هَوَىَ يَهوي فهو للسقوط، ومصدره الهُويّ.

وأكثر ما يستعمل الهَوَى في الحبِّ المذموم، قال تعالى: (وأمَا من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإنَّ الجَنَّة هي المأْوى ) [النازعات 40-41] .

وقد يستعمل في الحب الممدوح استعمالا مقيداً، منه قول النبي صلى الله عليه وسلم: [لا يؤْمن أحدكم حتى يكون هَواهُ تبعاً لما جئتُ بِه].

وجاء في الصحيحين عن "عروة بن الزبير" - رضي الله عنه - قال: (كانت خولة بنت حكيم: من اللائي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم، فقالت "عائشة" رضي الله عنها : أما تستحي المرأة أن تهَبَ نفسها للرَّجُل؟ فلمّا نزلتْ( تُرْجي من تشاء مِنْهُنَّ ) قلت: يا رسول الله ما أرى ربَّك إلا يُسارعُ في هواك "

والصَّبْوة : وهي الميل إلى الجهل، فقد جاء في القرأن الكريم على لسان سيدنا "يوسف" عليه السلام قوله تعالى:

( وإلا تَصرفْ عني كيدَهن أصبُ إليهنَّ وأكنُ من الجاهلين ).

والصّبُوة غير الصّبابة التي تعني شدة العشق، ومنها قول الشاعر:

تشكّى المحبون الصّبابة لَيْتني

تحملت ما يلقون من بينهم وحدْي

والشغف: هو مأخوذ من الشّغاف الذي هو غلاف القلب، ومنه قول الله تعالى واصفاً حال امرأة العزيز في تعلقها بيوسف عليه السلام ( قد شغفها حُباً ) ، قال "ابن عباس" رضي الله عنهما في ذلك: دخل حُبه تحت شغاف قلبها.

والوجد : وعُرف بأنه الحب الذي يتبعه الحزن بسبب ما.

والكَلَفُ : وهو شدة التعلق والولع، وأصل اللفظ من المشقة، يقول الله تعالى: ( لا يُكلف الله نفساً إلا وُسْعَهَا ) . وقال الشاعر:

فتعلمي أن قد كلِفْتُ بحبكم

ثم اصنعي ما شئت عن علم

ثم العشق: وكما يقال عنه: أمرّ هذه الأسماءُ وأخبثها، وقلّ استعمال العرب القدماء له، ولا نجده إلا في شعر المتأخرين، وعُرِّف بأنه فرط الحب. قال الفراء:

العشق نبت لزج، وسُمّى العشق الذي يكون في الإنسان لِلصُوقهِ بالقلب.

والجوى : الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حُزْن.

والشوق: هو سفر القلب إلى المحبوب، وارتحال عواطفه ومشاعره، وقد جاء هذا الاسم في حديث نبوي شريف، إذ روى عن "عمار بن ياسر" رضي الله عنه أنه صلى صلاة فأوجز فيها، فقيل له: أوجزت يا " أبا اليقظان " !! فقال: لقد دعوت بدعوات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم" يدعو بهن:

[اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني إذا كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك بَرَد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مُضرة، ولا فتنة ضالة، اللهم زيِّنَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هُداة مهتدين] .

وقال بعض العارفين :

(لما علم الله شوق المحبين إلى لقائه، ضرب لهم موعداً للقاء تسكن به قلوبهم).

والوصَب ُ: وهو ألم الحب ومرضه، لأن أصل الوصب المرض، وفي الحديث الصحيح: [ لا يصيب المؤمن من همّ ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه ] .

وقد تدخل صفة الديمومة على المعنى، قال تعالى:

( ولهم عذابٌ واصبٌ ) وقال سبحانه: ( وله الدينُ واصباً ) .

والاستكانة: وهي من اللوازم والأحكام والمتعلقات، وليست اسماً مختصاً، ومعناها على الحقيقة : الخضوع ، قال تعالى:

( فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ) ، وقال: ( فما وَهَنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضَعُفوا وما استكانوا ) .

وكأن المحب خضع بكليته إلى محبوبته، واستسلم بجوارحه وعواطفه، واستكان إليه.

والوُدّ : وهو خالص الحب وألطفه وأرقّه، وتتلازم فيه عاطفة الرأفة والرحمة، يقول الله تعالى: (وهو الغفور الودود) ، ويقول سبحانه: (إن ربي رحيم ودود) .

والخُلّة: وهي توحيد المحبة، وهي رتبة أو مقام لا يقبل المشاركة، ولهذا اختص بها في مطلق الوجود الخليلان "إبراهيم" و"محمد" صلوات الله وسلامه عليهما ، قال تعالى: (واتَخَذَ اللهُ إبراهيم خليلاً) .

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [ إنّ الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً ] وقال صلى الله عليه وسلم: [ لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الرحمن ]، وقال صلى الله عليه وسلم: [ إني أبرأ إلى كل خليل من خلته].

وقيل: لما كانت الخلّة مرتبة لا تقبل المشاركة امتحن الله سبحانه نبيه "إبراهيم" - الخليل - بذبح ولده لما أخذ شعبة من قلبه ، فأراد سبحانه أن يخلّص تلك الشعبة ولا تكون لغيره، فامتحنه بذبح ولده ، فلما أسلما لأمر الله، وقدّم إبراهيم عليه السلام محبة الله تعالى على محبة الولد، خلص مقام الخلة وصفا من كل شائبة ، فدي الولدُ بالذبح.

ومن ألطف ما قيل في تحقيق الخلّة : إنها سميت كذلك لتخللها جميع أجزاء الروح وتداخلها فيها، قال الشاعر:

قد تخلَّلْتِ مسلك الروح مِني وبذا سُمِّي الخليل خليلاً

وقال بعض العلماء المحققين :

قد ظن بعض من لا علم عنده أن الحبيب أفضل من الخليل، وقال: "محمد حبيب الله، و"إبراهيم خليل الله، وهذا باطل من وجوه كثيرة:

منها : أن الخلّة خاصة، والمحبة عامة، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وقال في عباده المؤمنين: ( يُحبُّهم ويُحبونه ) .

ومنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى أن يكون له من أهل الأرض خليل، وأخبر أن أحب النساء إليه عائشة رضي الله عنها، ومن الرجال أبوها .

ومنها : أنه صلى الله عليه وسلم قال: [لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أُخوّة الإسلام ومودته ]

ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم قال: [إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً].

والغرامُ : وهو الحب اللازم، ونقصد باللازم التحمل ، يقال: رجلٌ مُغْرم، أي مُلْزم بالدين ، قال "كُثِّير عَزَّة":

قضى كل ذي دينٍ فوفّى غريمه و"عزَّة" ممطول مُعنًّى غريمُها

ومن المادة نفسها قول الله تعالى عن جهنم: (إنَّ عذابها كان غراماً ) أي لازماً دائماً.

والهُيام : وهو جنون العشق، وأصله داء يأخذ الإبل فتهيم لا ترعى، والهيم (بكسر الهاء) الإبل العطاش، فكأن العاشق المستهام قد استبدّ به العطش إلى محبوبه فهام على وجهه لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، وانعكس ذلك على كيانه النفسي والعصبي فأضحى كالمجنون، أو كاد يجنّ فعلاً على حد قول شوقي :

ويقول تكاد تُجَـنُّ به فأقول وأوشك أعبُده

مولاي وروحي في يده قد ضيّعها سلِمت يده

ونصل إلى قمة الهرم صعوداً في معنى الحب ومرادفاته، وهو: التعبد، وقيل فيه: التعبد هو غاية الحب وغاية الذُل يقال: عَبّده الحبُّ أي ذلّله وطريق معبّد بالأقدام، أي مذلل، وكذلك المحب قد ذلـلّه الحب ووطّأه، ولا تصلح هذه المرتبة إلا لذات الله تعالى فمحبة العبودية أشرف أنواع المحبة، وهي خالص حق الله على عباده . وجاء في الصحيح عن "معاذ بن جبل" رضي الله عنه قال:

(كنت سائراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: [ يا معاذ] … قلت: لبيك يا رسول الله وسَعدَيك ، قال: [ أتدري ما حق الله على عباده ؟ ] قلت : الله ورسوله أعلم، قال: [حقه عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئاً… أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ ألا يعذبهم بالنار] .

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى رسله بالعبودية في أشرف مقاماته، وهي مقام التحدي، ومقام الإسراء، ومقام الدعوة.

فقال في التحدي: (وإن كنتم في ريبٍ مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثلهِ) .

وقال في مقام الإسراء: (سُبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) .

وقال في مقام الدعوة: ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه ) .

وإذا تدافع أولو العزم الشفاعة الكبرى يوم القيامة، يقول "عيسى" عليه السلام لهم" اذهبوا إلى "محمد"، عَبْدٌ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو عليه الصلاة والسلام قد نال ذلك المقام بكمال العبودية وكمال مغفرة الله له، فأشرف صفات العبد صفة العبودية، وأحب أسمائه إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن ، وأصدقها حارث، وهمّام، وأقبحها حرب ، ومُرة… كما جاء عن الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه.

راجع كتاب الحب والجنس من منظور إسلامي

للأستاذ: محمد علي قطب


أنواع الحـب :

الحب معنًى من أوسع المعاني ، فهو أكبر من أن يحصر في حيز علاقة بين مخلوق ومخلوق، إنه كالنهر الذي تستمد منه القنوات ماءها ثم قد تتشعب كل قناة بدروها فيشمل الحب حب الإنسان لنفسه ، ويتفرع من ذلك حب الوجود وحب كمال الوجود .

ومن حب الوجود يخرج حب البقاء في الدنيا ثم حب الخلود في الجنة في الآخرة ومن حب كمال الوجود ينشأ حب النساء والأبناء والمال والجاه. وهكذا الحال في أنواع الحب الأخرى .

فحب الإنسان لغيره يشمل حب الدين والوطن والآباء والعشيرة والإخوان والأمة بجميع أعضائها المؤمنين وأعلاهم الأنبياء وأشرفهم محمد صلى الله عليه وسلم وهذا كله حب لهم لا لذاتهم بل لأجل حب الله عزوجل وهو الذي يُحبّ لذاته سبحانه

قال ابن القيم في الدواء الكافي : ( هناك أنواع من المحبة :

أحدها : محبة الله ولا تكفي وحدها في النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه فإن المشركين وعبّاد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله .

الثاني : محبة ما يحبه الله وهذه هي التي تدخله في الإسلام وتخرجه من الكفر.

الثالث: الحب لله وفيه وهي من لوازم محبة ما يحبه الله.

الرابع : المحبة مع الله وهي المحبة الشركية وكل من أحب شيئاً مع الله لا لله ولا من أجله ولا فيه فقد اتخذه نِداً من دون الله وهي محبة المشركين .

وبقي قسم خامس وهو المحبة الطبيعية وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه كمحبة العطشان للماء والجائع للطعام ومحبة النوم والزوجة والولد فتلك لا تذم إلا إذا ألهت عن ذكر الله وشغلت عن محبته ) .



هَرَم الحـب

تمهيد :

شبه بعض العلماء الحب بالهرم قاعدته أوسع ما فيه ثم كلما علوت في درجاته تقلص وتفرد حتى يصير في النهاية إلى قمة حب متفرد وهو حب الواحد الأحد سبحانه وتعالى:

إنها الْهَرَميَّة إذاً نسبة إلى الهرم ، وهو طراز هندسي تتسع قاعدته ، وتضيق ارتفاعاً تدريجياً حتى تبلغ القمة فتكون نقطة ، وأحجاره ، أو طبقاته - سمها ما شئت - ترتكز في بنائها أو تستند إلى بعضها بنسبة من القوة والدعم والتماسك.

وهو من حيث الشكل يشبه الجبل، سفحه عريض واسع، وصخوره ونتوءاته وحبات ترابه يتراكب بعضها فوق بعض، ثم تضيق تدريجياً حتى تبلغ الذروة.

والرؤية في أسفليهما (الجبل والهرم) محدودة البعد النظري، وكلما ارتقينا فيهما امتد البصر أبعد، وغطى مساحة أكبر، وبدت المناظر أبهج وأوقع، فينعكس ذلك على النفس راحةً وبهجة وسعادة.

والبناء الهرمي أرسخ وأمتن وأقوى…

وليس في التضاريس الطبيعية الكونية ما يضارع الجبال رُسوَّاً، قال تعالى: (والجبالَ أرساها) ، وقال عز من قائل: (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) . ونعني بالرسوّ : الرسوخ .

فكل ما في الكون مسخر للإنسان حتى الجماد ولذا لا تعجب لقول النبي صلى الله عليه وسلم : [أُحد جبل يحبنا ونحبه] رواه البخاري ومسلم . وكذا الحيوان في الجملة، وأيضاً النبات ، كل ذلك ميسرٌ لما خلق له، وموظف في شأن من شؤون الكون والخلق حسب التقدير والتدبير الإلهي العظيم، فتبارك الله أحسن الخالقين.

وكل ذلك أيضاً مرتبط مع الكون، والإنسان خاصة، بقاعدة الحب، مبدأ ومنتهًى.

فالمأكول المطعوم، يُطلب في ذبحه الرأفة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لِيُرحْ أحدكم ذبيحته، ولْيُحِدَّ شفرته] .

كما نهى عليه الصلاة والسلام أن يُتَّخذ كل ذي روح غرضاً يُرمى، ولقد روي عنه صلى الله عليه وسلم: [أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خَشاش الأرض] .

وما قصة الرجل الذي كان بفلاة، وقد جَهده العطش، ثم وجد بئراً فنزلها وشرب منها، وحين صعِد وجد كلباً ضالاً قد أصابه من العطش ما كان قد أصاب الرجل فعاد إلى البئر ونزع أحد خُفيه وسقى الكلب ، فغفر الله له…

ما قصته عنا ببعيدة أو مجهولة !

ولقد عقّب عليه الصلاة والسلام إثر روايتها بقوله: [في كلِّ كبدٍ رَطْبةٍ أجر] .

وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه حين نزعوا فَرْخى حُمّرة -وهي طائر كالعصفور- من عُشهما، وقد عادت أمهما تحوم حول العش وترفرف: (من فجع هذه في فرخيها ؟

فالرأفة والرحمة - في كل ما مر - إن هما إلا من مستودع الحب ومنبعه ومن فيض توقده وشعاعه.

ثم يترقى المحبُّ ويعلو طبقةً… جديدة… ليتعامل مع العنصر البشري كافة .. بروح صافية مُحبة وَدود .

وصدق الباري عزوجل، إذ يقول: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي وقف ذات يوم وقد مرت به جنازة، احتراماً.. فقيل لها: " إنها جنازة يهودي يا رسول الله! ". فقال: [ أو ليست بنفس ؟‍‍! ] وهو الذي كان يوصي أمراءه وجنُده بألا يقتلوا طفلاً أو شيخاً مُسناً أو امرأة…

وهو عليه الصلاة والسلام الذي ك‍‍‍‍‍ان يقول: [من عادى ذمياً فقد عاداني، ومن عاداني فقد عادى الله تعالى ] ويقول: [ من قتل ذمياً لم يَرَح ( أي يشم والمعنى لن يدخلها ) رائحة الجنة ] ].

ثم يترقى المسلم في حُبه إلى محيطه الأسري الخاص، وهو مبحث طويل، نحاول بإذن الله تعالى أن نوفق بينه وبين ضرورة الموضوع ما أمكن.



العلاقة الزوجية في حِمى الحب

يقول الله سبحانه وتعالى: ( ومن آياته أنْ خلقَ لكم من أنفُسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعلَ بينكم مودةً ورحمة ) وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم الرجال بحسن معاملة النساء [ خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ] رواه الترمذي وابن ماجه .

وأوصى المرأة كذلك بحسن معاشرة الزوج وبطاعته وجعل رسول الله [ خير ما يكنز المرء المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته ] رواه أبو داود وغيره .

كل الذي مر بنا إن هو إلا مفهوم لحقيقة أبدية راسخة لا بد وأن تتوفر بين الطرفين فتكون حياتهما على أكمل صورة وأروع مثل.



الزوجان والأولاد في دوحة الحب

…ويعلو المسلم المحب درجة عندما يرزقه الله تعالى ثمرة الزواج مولوداً، وترتفع أغصان دوحته صُعُداً، وتمضي في الفضاء سموقاً وبسوقاً.

ويشتد الحب في الأبوين حناناً وعطاءً ورعايةً، ويأتلف قلباهما أكثر وأكثر اتحاداً وفناءً، ويذوبان في جو الكينونة الجديدة وينصهران انصهاراً ، ويبدو أن مع واسطة العقد خلقاً آخر … فؤاده الحبّ… وذاته الودّ… وروحه الرحمة… وجوارحه الرأفة .

هذا التفاني في العطاء تدبيراً وتربية : هو رسالة الأبوة والأمومة، يغذوها الحب بكل ما رُكّب في خاصته، حتى يشتد عود المولود على سوقه، ويأخذ سبيله في دروب الحياة، ولكنها رسالة لا تتوقف عند حد، ولا يحجزها عن المضي إلى غايتها حاجز…

وبالمقابل فإن دورة الحب لا بد وأن تكتمل، وتعود في منتهاها إلى مبدئها، يقول الله تعالى: (وقضى بك ألا تعبدوا إلا أياهُ وبالوالدين إحساناً إما يبلغنَّ عندك الكِبَر أحدُهما أو كلاهما فلا تقل لهما أُفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ) (الإسراء 23-24) .

أيها الحبيب !

أرجو أن تلحظ معي بدقة استهلال الآية الكريمة: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) فالعبادة لله تعالى وحده هي خالص الحب… وقمتّه وذروته، وثنَّى عزوجل بقوله: (وبالوالدين إحساناً) فالإحسان إليهما رافد صغير من بحر الحب يتدفق رقراقاً..

ثم فصَّل سبحانه كيفية الإحسان، بالقول والفعل، بالكلمة الطيبة الكريمة، وخفض الجناح مع الرحمة.

وقال رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه لمن سأله عن أحقّ الناس بصحبته، [أمك أمك أمك … ثمّ أبوك ] رواه البخاري ومسلم .

وقال أيضاً: [ أنت ومالُك لأبيك] رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد بألفاظ متقاربة .

ويطول بنا البحث لو استعرضنا بالتفصيل القواعد والأصول التي تقوم عليها علاقة كل من الطرفين بالآخر . الأبوين والأولاد . وحقوق كل على الآخر.

ويكفينا القول إن الحب - والحب وحده - هو القاعدة الأساسية، أما العواطف الأخرى فهي منبثقة عنه، وتتشكل من خلاله، وتستقي من ينبوعه الذي لا ينضب





ذوو الرحم ولُحمة الحب

وهي درجة أو طبقة أخرى تمضي عُلواً…

فذوو الرحم أقارب المرء وأهله، وإن شئت فقل هم أسرته الكبرى… والرحم مشتقة من الرحمة، فهي بحد ذاتها تتضمن تلقائياً معنى الود والحب، والكل يرجع إلى (الرحمن - الرحيم).

وفي حديث قدسي، يقول الله سبحانه وتعالى للرحم : ( ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك) رواه البخاري ومسلم .

ناهيك بالآيات البينات في القرآن الكريم التي تحض على صلة ذوي الأرحام (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) .



المجتمع الإسلامي في وحدة الحب

ونمضي في البناء الهرمي صعوداً لنبلغ طبقة المجتمع الإٍسلامي. فماذا يقول الله تعالى في نوعية العلاقة التي تحكم أفراده؟ وما هي الوشائج والصلات التي تشدهم بعضاً إلى بعض، ليكونوا وحدة متماسكة ؟

( إن هذه أمتكم أمةً واحدة).

(محمدٌ رسولُ الله والذين معه أشداء على الكفار رُحماء بينهم تراهم ركّعاً سجّداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مَثَلُهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأهُ فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه . يُعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً) .

(إنما المؤمنون إخوة).

ولا حاجة بنا إلى التعليق، فإن في مضامين آيات الله البينات ما يُعجزنا عن الكلام، ويقصر بعباراتنا عن الإيضاح.

وماذا يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم؟

[المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه] رواه البخاري ومسلم .

[الدين النصيحة… لأئمة المسلمين وخاصتهم وعامتهم] رواه البخاري ومسلم .

[لا تؤمنوا حتى تحابُّوا ] رواه مسلم .

وغير ذلك كثير أيضاً..

فالحب - أيها الحبيب - كما هو ملحوظ من مدلولات الآيات الكريمة الأحاديث الشريفة - هو القاعدة الثابتة التي يرتكز إليها بناء المجتمع الإسلامي، بل هي حصن جديد يعلو ويسمو بالمسلم المحب .



حب الصفوة والقدوة

وتطوى مسافات الزمن بالنسبة إلى كل مسلم محب، أي موقع وُجد فيه، ليرتفع ويسمو في البناء الهرمي.

يرتفع إلى الصفوة والقدوة، إلى الصحابة رضوان الله عليهم أعلام الهُدى، ومنائر التقى، الذين جاهدوا في الله حق جهاده، وكانوا الدعامة الراسخة التي قام عليها صرح الإسلام.

أولئك الذين هداهم الله فبهداهم نقتدي، وعلى محبتهم نمضي.

الذين قال فيهم رسولنا الأمين:

[ لا تسبوا أصحابي ، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهباً ما بلغ مُدًّ أحدهم ولا نصيفه ] رواه البخاري ومسلم .

وقال فيهم أيضاً: [وأصحابي أَمَنَة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون] رواه مسلم بنحوه

"الصدّيق" و"الفاروق" و"ذو النورين" وفتى الإسلام وبطله "علي"، وسيد الشهداء "حمزة"، وأمين الأمة "أبو عبيدة"، وسيف الله "خالد" و… و… رضي الله عنهم وأرضاهم.

ولا يكون الحب لهؤلاء الصفوة نزعةً صوفيةً، نخرّ عليها صُماً وعُمياناً ، تهتز بها المشاعر والأحاسيس، وتنهل المآقي بالدموع، بل تكون ترجمةً حيةً عاملة، واقعية الحركة، تصل بين الحس والعقل والإرادة…

فإذا الحب حقيقة وليس تجرداً، وفعلاً لا وهماً أو توهماً.



حب سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم :

ثم يدنو المسلم المحب فيتدلى، ويصبح قاب قوسين أو أدنى، ويشمخ بالبناء حتى يبلغ ما قبل الذروة، ويبدأ الاستعداد النهائي لعملية التوجه الخالص بالحب، ويصيخ بالقلب والسمع والبصر، وبكل نبض في كيانه إلى موحيات الله تعالى تستجيشه وتستقطبه حول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم.

(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عَنِتُّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم).

(وإنك لعلى خُلق عظيم).

(محمد رسول الله).

(وخاتم النبيين…)

( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويُتم نعمته عليك ويهديَك صراطاً مستقيماً، * وينصرَك الله نصراً عزيزاً).

وغير ذلك كثير، يحفل به الكتاب الخالد.

ويقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم : [ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه ] .

وتحضرني حالة ذلك الصحابي الجليل الذي كان يردد أنه لا يطيق فراق النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا ما ابتعد عنه قليلاً بسبب من أسباب الحياة، معيشة أو عملاً أو تفقد أهل، ألـحَّتْ عليه نفسه بالشوق إلى رسول الله، فما يلبث أن يُبادر إلى لُقيا الحبيب صلوات الله وسلامه عليه .

كما تحضرني واقعة "مصعب بن عُمير" رضي الله عنه مع أمه التي غاب عنها غياباً طويلاً موحشاً، بعيداً في المدينة، فلما آب إلى مكة ، وجاءها بعد لقائه المصطفى عليه السلام بدأته بقولها: يا عاق… وراحت تعنفه على نكرانه لها، فقال: ما كنت لأبدأ بأحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم…

و "أم عمارة" - رضي الله عنها-…

سيدة من المسلمات المبايعات الأنصاريات، تَتَرَّسُ يوم "أحد" دون رسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعاً عنه وافتداءً له، ولقد أصيبت يومئذٍ بجراحاتٍ خطيرة.

فلما أبدى "عليه السلام" جزعه عليها قالت: ادع لنا يا رسول الله أن نكون رفقاءَك في الجنة، فدعا لها: فقالت: ما أُبالي بعد الآن، أوقع عليَّ الموت أم وقعتُ عليه.

إنها صُورٌ ونماذج تؤكد - من غير ريب - صدق الحب وحقيقته .

وإذا ما كنا قد قلنا : إننا لا نريد أن يكون حبنا للصفوة الأخيار من الصحابة الكرام نزعة صوفية، أو لحناً لنشيد أو قصيدة تطرب لها الأسماع دن أن يترجم إلى فعل حيّ نابض، إذا ما قلنا ذلك… فإن حُبنا للنبي صلى الله عليه وسلم أجدر وأولى… ولتكون الوصلة التاريخية عبر الزمن متينة راسخة غير مهلهلة ولا مهزوزة، وليكون البناء الهرمي الذي عنينا متماسك الطبقات، متناسق التكوين، سامق الشموخ، في ديمومة واستمرار.

وبعد:

فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم في لفتة كريمة في النبوة الصادقة وانسجاماً مع الرسالة الخالدة يوجهنا إلى حقيقة الحقائق في الحب، إلى الحقيقة المطلقة، إلى خلوص التوحيد، إلى… حب الله تعالى.. يقول عليه الصلاة والسلام:

[ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ]

رواه البخاري .

وحب الرسالة بكليتها حب لله.. طاعة وعبادة وخضوعاً



حب الله جل جلاله :

ويبلغ المسلم المحب الصادق الذروة ، ويفنى كلِّيَّة في حب الله تعالى، فإذا كل حركة من حركاته وكل سكنة من سكناته، بل كل لفتة من لفتاته وخلجة من خلجات نفسه تنطق بحب الله، خافضة رافعة… عاملة ناصبة.. جاهدة مجاهدة.

يتعامل مع الوجود كله بحب الله تعالى، ووفق ناموس الحب الذي يلفُّ هذا الوجود، ثم يوقظ النبي صلى الله عليه وسلم في نفوسنا ما غفا وتخدّر من قواعد المنطق وأصول التسلسل، وما أخلد من عالي الأشواق إلى الأعماق، وتمكنت منه نوازع الدنيا فلم يحلق في الأجواء.

يعلنه "عليه السلام" ويوقظه ويحثه حتى لا تبقى محبة الله تعالى على أفواهنا كلمة جوفاء خاوية خالية، عارية عن الحقيقة بقوله عليه السلام وحياً كريماً منـزَّلاً على قلبه الشريف: ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) .

ومحبة العباد لله تقتضي حب الله تعالى لعباده ومن ثم يكون التعامل الكلي في الوجود مع الذات الإلهية ومنها بالحب، وبالحب وحده.

راجع الحب والجنس لمحمد علي قطب

والداء والدواء - لابن قيم الجوزيه







آدم وحواء في واحة الحب

حب النساء :

فطر الله تعالى الرجل والمرأة على ميل كل منهما إلى الآخر وعلى الأنس به والاطمئنان إليه ولذا منّ الله على عباده بذلك فقال: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) . " الروم: 21" . وقال: (هو الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها) ." الأعراف: 189 "

وقال: ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) . " البقرة: 187 "، وهذا الميل الفطري والأنس الطبعي مجراه الطبيعي هو الزواج وهذه هي العلاقة الصحيحة التي شرعها الله بين الرجل والمرأة، فمن أحب زوجته وعاشرها بالمعروف سيُرجى أن يكون منهما الذرية الصالحة التي تنشأ في دفء العلاقة الحميمة بين أبوين متحابين متراحمين وهكذا يفرز لنا الحب أسراً قوية البنيان لتعزز لنا هي الأخرى مجتمعاً متين الأركان ولا تكون المجتمعات إلا قوام أمة قوية مرهوبة الجانب.

هذا هو الحب في الإسلام بين الرجل والمرأة. إنه حب عفيف لا ريبة فيه ولا دغل. حب يخدم الأسرة والمجتمع والأمة. إنه حب حقيقي.. حب يتسامى فيه الرجل والمرأة، أما ما يروج بين الناس اليوم وتوظف لترويجه آلات الإعلام الجهنمية فهو زائف… حب هدام.. حب لا يعرف من الحب إلا اسمه.

يقول الأستاذ عبدالحليم محمد قنبس في كتابه " الحب في الأسرة المسلمة " :

لو أردنا أن نبحث عن الحب ومستواه في القرن العشرين، لكفانا أن ننظر نظرة سريعة، على ما كان عليه الحب في الزمن المنصرم، وحالته في الوقت الحاضر، إذ لم يشهد التاريخ يوماً من الأيام حباً زائفاً، كما نشاهده في عصرنا الحاضر.

إن الحب الحقيقي قد فقد عند الشباب، وضاعت هذه الكلمة "الحب" وأصبحت غليظة لا ترقى إلى عالم الروح، لقد ضاعت المعاني الجليلة والأماني السامية الرفيعة، وحبست الآهات العفيفة، وفقدت المُثل العليا وحل محل ذلك.. الحب المزيف، الذي قام مقامها، وأصبح له الكأس المعلّى، وأخذ دوراً فعالاً وعظيماً بين الشباب والشابات، وتحولت كلمة الحب إلى باب من أبواب الخداع والمكر، للوصول إلى غاية ما، وللنهب والاختطاف، هذه هي ثمرة الحب الزائف يجنيها أولئك في القرن العشرين، فيلدغهم شوكها، ويستطعمون بمرارتها، ويتعذبون من آلامها، حب زائف لا عفة فيه ولا طهر، بل كذب وتدليس فأين الحب الحقيقي؟ أي عفته؟ أين حرمته؟..

إننا نسمع الكثير عن المشكلات الاجتماعية، من حيث العلاقات الجنسية: الانتحار - الضياع - الجنون…

لِمَ يحدث هذا ؟ هل من حب حقيقي متبادل بين الطرفين نشأ على العفة والشرف؟ لا. بل لا بد أن أحد الطرفين، قد حمل مشعل الزيف، ليحرق به الآخر، متظاهراً بأنه ينير له الطريق، وما حمله على ذلك إلا خبث نفسه، ونجاسة ثوبه، وفقده لكل ما يمت بصلة إلى الشرف والمروءة، والرحمة والود، فهو لم يفكر إلا بالوصول إلى مآربه، لإشباع غريزته التي استولت عليه فهو كالأنعام بل أضلُ سبيلاً، قد قطع شوطاً في تعلم المكر والخديعة، فأصبح الزواج عنده كلمة موبوءة يجب الابتعاد عنها، ويكفيه أن يعيش بين أحضان الضياع، فقد أصبح ميسوراً لكلا الطرفين أن ينال ما يريده… فهذه صيحات الشباب ترن في الآذان، وويلات الفتيات تهز المشاعر، لقد حدث هذا، حينما فقدت المرأة حشمتها، وخرجت سافرة، مُظهرة كل ما يفتن الشباب، فضاعت أنوثتها، وفقدت كرامتها، ودرس حياؤها فلو أنها حفظت نفسها، ولبست الثوب الذي يغطي فتنتها، ويعيد لها كرامتها، وطبقت قول الله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يُبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بُخمرهن على جيوبهن ولا يُبدين زينتهن إلا لبعولتهن) ، " النور: 31".

فلو فعلت هذا، لأحبها الشاب حباً حقيقياً، لا حباً جسدياً، ينتهي بقضاء الشهوة منها، ولما سمعت منها الويلات وكذلك الشاب، لو طبق كل ما يتصف به ذو الخلق والعقل، وتوجه إلى قول الله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون) ، "النور: 30". لم تسمع صيحاته ولم تشاهد ضياعه وجنونه.

ويقول تحت عنوان الحب والغريزة الجنسية : لا نريد أن نتطرق في هذا البحث، إلى العلاقة القوية، بين الحب والغريزة الجنسية، لما كتبه أو يكتبه علماء النفس، بل يكفينا أن نفتح كتاب الله سبحانه، فنجد هذه الآية الحكيمة: (زُين للناس حُبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاعُ الحياة الدنيا واللهُ عنده حسنُ المآب) . "آل عمران: 14" .

وحينما نقرؤها نفهم مباشرة، أن الحب أول ما يقع، إنما يقع بين الرجل والمرأة فلقد قدم الله تبارك وتعالى حب النساء، على جميع ما يحلو للإنسان، ويحبذه في هذه الحياة، قدم حب المرأة على البنين، وعلى المال وعلى كل ما يسميه الإنسان زينة، ويحب أن يستأثر به…

ومن هنا نلحظ العلاقة القوية، بين الحب والغريزة الجنسية، إذ المرأة من جنس الرجل، ويدلنا على هذا كذلك قول الله سبحانه وتعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً) النساء:1 ، فإشباع الغريزة لا يتم إلى بوجود الطرفين معاً. الذكر والأنثى، ولهذا يظهر الحب بين الطرفين، ويصبح زينة تظهر للمرء، ويشعر بها كغريزة مطلوبة، يجب الوصول إليها، وهذه الغريزة لا تتم على الوجه الصحيح والأكمل، إلا بوجود الحب الدائم، الذي انصهر بها، فإن فقد الحب تحولت هذه الغريزة الجنسية من العلاقة الوشيجة المبنية على المودة والرحمة، إلى غريزة بهيمية، تقضى فيها الشهوة بدافع الأمر العفوي، وقدْ نبه على هذا نبي الرحمة والمودة صلى الله عليه وسلم بقوله : [ لا يَنْزُ أحدكم على امرأته نزوَ الديك ] [رواه الديلمي وعزاه المناوي إلى أبي يعلى] بل عليه أن يداعبها ويضاحكها، وينتظر أن تقضي حاجتها منه كما يقضي هو حاجته وبهذا يبقى الشعور بالحب موجوداً بينهما .

ويتم إشباع هذه الغريزة على الوجه الأكمل، حينما يستمر الارتباط بين الرجل والمرأة، ارتباط الزوجية على الطهر والمودة والمحبة، وهذا قول الله تعالى في كتابه: (هن لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن) "البقرة:187" يبين أن المرأة هي الحرث للرجل، وهي المشبعة لغريزته والمحققة لأحلامه، والمظهرة لحبه، فلا منغص لحبهما، ولا مانع لإشباع غرائزهما ( هن لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن )

فهل هناك أمتن من هذا اللباس الساتر لهما ؟ إنه مصنوع من الحب ، مغزول من المودة والرحمة فلا وجود للكبت أو الشذوذ الجنسي، بل اللقاء الحار، والمحبة الصادقة، والألفة الأمينة يشع ذلك كله من خلال هذا اللباس، لباس الطهر والمحبة، الذي وصل إلى شغاف القلبين معاً، إنها لك وأنت لها، اتحاد كامل بين جسمين وروحين لا يفترقان، ولا يلجأ أحدهما إلى المخادعة والتلاعب، لأن الحب قد بني على أسس متينة، مبنية على الطهر والمحبة والرحمة.

ويقول في موضع آخر: فليعلم كل مؤمن ومؤمنة أن حبهما المبني على الطهر والعفة وحب أولادهما المؤسس على المودة والرحمة ليس بعيداً عن حب الله ورسوله بل هو تابع له، فالمؤمن محب لله ولرسوله محب لزوجته وأولاده، محب لكل مؤمن في هذا الوجود.

الحب والعلاقة أثناء الخِطبة :

ليس في هذا الوجود من إنسان، إلا وفيه قلب ينبض، وعينان تشاهدان، القلب لا يخلو من همسة حب، وذرة رحمة، ولكن استعمال هذه الهمسة.. ربما تسخر في إفساد المجتمع، أو في إصلاحه، ولا بد للشاب أن تصبح عنده علاقة حب مع إنسانة ما، ربما تكون حقيقية أو خيالية، وكذلك الفتاة، ولا نريد أن نكتب قاموساً عن العلاقة بين الشاب والفتاة، وعن الفشل والنجاح، بل نريد أن نبحث عن مدى هذه العلاقة، وكيف تتم؟ وماذا تكون نهايتها في نظر الإسلام؟

إن أول ما يستدعي الانتباه لحل مشكلة العلاقة، هو قول نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم: [ لم يُرَ للمتحابين مثلُ الزواج ] .

لقد اعتبر الحب ناقصاً إذا لم يُتوج بالزواج، وليس بالحب الحقيقي إذا لم يصدّق بالزواج .

لهذا نرى أن الإسلام أوصد باب العلاقة، أمام كل من يريد أن يلهو بها من الطرفين معاً فجعلها محدودة لكي لا يكون أي مجال للشذوذ والتلاعب وحينما تبدأ نسمة الحب يُطلب من المحب أن يعقد القِران فوراً، فلا داعي لتضييع الوقت، وإعادة النظر مرة بعد مرة، لأن الثقة متبادلة بين الطرفين.

ولما فقدت التقوى توفرت دواعي فقدان الثقة، فوجب الحذر الشديد من هذه المرحلة شديدة الحساسية (الخطبة).

أما علاقة الشاب المؤمن، أو الفتاة المؤمنة فمرتبطة برباط الشريعة وهذا الرباط يؤدي - إن تم الوفاق - إلى ارتباط الروحين معاً.

وقد حثّ الإسلام وأكد على ضرورة رؤية الخاطب للمخطوبة والعكس ، لكي لا يحدث في يوم ما كُره من أحدهما للآخر، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من الأنصار وقد خَطب فتاة : [ أنظرت إليها؟ ] قال الرجل: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ فاذهب فانظر إليها ، فإن في أعين الأنصار شيئاً ] رواه مسلم وغيره . ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة: [ انظر إليها فإنه أحرى أن يُؤدَم بينكما ] رواه الترمذي وابن ماجه .

ولا غرو في ذلك فإن النظر يورث المحبة ، والكلام يزيل العوائق ، وهو سبيل لحصول المودة التي تسبق السَّكَن (الزواج) .



الحب بين الزوجين

مضت ليلة الزفاف، فهل مضى معها الحب والذكريات؟ وهل توقفت نبضات المودة والرحمة بينهما؟ إن الجواب نجده في هذه الآية الحكيمة: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إنّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكرون) . " الروم: 21 ".

إنه حب مبني على اللطف والرفق، قد استقر في أعماق القلب وأغوار الحس "لتسكنوا إليها" ووقع في النفس والعقل والجسد، فيجد كل من الزوجين عند الآخر الراحة والطمأنينة والاستقرار، ويستمر هذا الحب بينهما وكأنه نبع فياض، يزيد ولا ينقص، لأنه حب حقيقي نبت على الصدق والعفة وقد وطد النبي صلى الله عليه وسلم علاقة هذا الحب بين الزوجين، وأوضح السبل لاستمراره بقوله: [استوصوا بالنساء خيراً فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله…] رواه مسلم وغيره .

إنها وصية لاستمرار المودة والرحمة بينهما ، وقد بين رسول الهدى: أن خير الرجال من أمته، ذلك الذي يحب أهله فيقول: [خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي] رواه الترمذي .

فما هو خير الزوج لزوجته؟ هل الخير بتقديم كل ما يتطلبه بيت الزوجية من حاجات فقط؟ لا بل هناك الذي يبنى عليه كل خير، إنه الحب إنه العطف والحنان، والمحبة والاطمئنان.

وقد لحظ المصطفى عليه الصلاة والسلام أن هناك بعض المنغصات ربما تحدث بين الزوجين، فنبه على ذلك ليسد باب البغض فقال: [لا يفرِكنّ مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر] رواه أحمد ومسلم

فلا وجود للبغض، بل حب وتسامح من قبل الزوجين، ولا داعي لوجود المنغصات فإن وجد شيء منها فلا بد من إزالته، وذلك بالرجوع إلى العهد الذي بينهما: عهد المودة والرحمة، عهد المحبة والاستقرار، فالمشاحنات اليومية، والخلافات المستمرة لا وجود لها بين زوجين، أحبا بعضهما حباً خالصاً لا تشوبه شائبة

ولقد استنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحدث من بعض الرجال من إيذاء زوجاتهم ثم يريدونهن أن يمتثلن لشهواتهم فقال : [ يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد لعله يضاجعها من آخر يومه] رواه البخاري ومسلم

إن النبي صلى الله عليه وسلم ينكر هذا العمل، الذي يميل إلى الحيوانية، لا إنساناً محباً يشعر بالمودة والرحمة، والزوجة.. تلك الإنسانة الوديعة التي لا تستطيع أن تدافع عن نفسها بقوة الجسد، بل لها قلب ينبض بالحنان، وروح تسمو إلى الرأفة والألفة، فماذا تفعل إن حدث هذا معها؟!

إنها ستشعر بفقد حبها وكرامتها ومكانتها عند زوجها، وإن فقدت ذلك، تاهت مع التائهات.

ومن توطيد رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الحب بين الزوجين قوله: ["هلاّ بكراً تداعبها وتداعبك] فاستمرار المداعبة، دليل على استمرار الحب، ورسوخ الرحمة في قلبيهما، وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الزوج الذي لا يداعب زوجته بالجفاء فقال: [ ثلاثة من الجفاء… - ومنها - أن يجامع الرجل زوجته ولا يقبلها ] (رواه الديلمي ) إنه جفاء حقاً، لأن إشباع الغريزة لا يكفي.

وهكذا وضع الإسلام ركائز عظيمة ليبنى عليها الحب الصادق ، وليبقى الزوجان في سعادة دائمة، واطمئنان نفسي مستمر.



الحب وحق الزوج

حينما يكون الحب قائماً بين الزوجين ، يصبح الشعور بالحب قوياً من كلا الطرفين تجاه الآخر، فالزوجة حينما تكون علاقة حبها قوية مع زوجها، ستطبق جميع الحقوق التي وجبت عليها، وما هذه الحقوق إلا صورة عملية، وإشعار لزوجها بالحب الذي استقر في قلبها، لهذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة ] رواه مسلم .



الحب وحق الزوجة

كما أن الزوجة تظهر حق زوجها بحبها له، كذلك على الزوج أن يظهر حقها بحبه لها، فما هذه الحقوق ؟

إن أول حق للزوجة، هو تلك المعاشرة الحسنة من قبل الزوج، ويتضح هذا من خلال قول الله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) ، "النساء: 19 " فالمعاشرة الحسنة هي أساس اطمئنان النفس، وركن من أركان الحب الذي يظهره الزوج لزوجته، فمهما قدم لها من حقوق، وكان فظاً معها في معاملته فسيبقى الاطمئنان والارتياح النفسي مفقوداً بينهما، ويدلنا على هذا قول نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم: [خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي] رواه الترمذي.



الحب وحق الأولاد

إن النسل هدف أصيل من أهداف الحياة الزوجية، فحينما يكون الحب متبادلاً بين الزوجين لا بد من تقوية لهذا التبادل، وذلك بسعيهما وبدافع الرغبة منهما التي لها جذورها في نفسيهما لوجود طفل بينهما، يرمقانه بعين الرحمة والحنان ويضمانه بروح المحبة والاطمئنان، ويبذلان قصارى جهدهما لإسعاد هذا الطفل لكي يشعر بالحب والألفة، بالسعادة والسلام.

كل ذلك يتحقق حينما يكون هدفهما موحداً ومتجانساً، فيغرس الحب في قلب الطفل كما غرس في قلبيهما .

ويقول الدكتور محمود بن الشريف في كتابه " الحب في القرآن " :

وقد تهب رياح حقد وكراهية فتثير في أرجاء البيت عواصف وزوابع، وقد تظلل سماء البيت سحابة قاتمة سوداء تعكر الصفو وتنذر بالقطيعة والتفرق، وقد تمر فترات تتقلب خلالها القلوب فتنقلب آيات المحبة والرحمة إلى بغض ونفور، وتضيق نفس الزوج أو الزوجة بالمنزل ومن فيه وما فيه، وإن لم يثبت البنيان العائلي أمام ما اعتراه من هذه الطوارئ والمفاجآت تركت أخاديد عميقة في بنائه وإن لم تكن الحياة الزوجية وقت ذاك مدعمة بحسن العشرة.

والقرآن الكريم قد عالج هذه الحالات التي تعتري نفسية الأزواج.. فوضع لهم ذلك المبدأ (وعاشروهن بالمعروف) والمعاملة باللطف واللين، فإن استبدت بهم النوازع وتحجرت العواطف وتملكتهم الكراهية.. ( فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعلَ الله فيه خيراً كثيراً..) وكما يكمن البرء في مر الدواء. وتحمل الشدة في طياتها بوادر الفرج، فقد يكون وراء الكراهة ما وراءها من جليل الخير وجزيل النعم (وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيرا) ، "النساء: 19" على أن حسن المعاشرة لا يطالب به الرجل وحده، ولا المرأة وحدها، بل هو قدر مشترك بينهما يطالب به كل منهما.

إن كلمة رقيقة من أحدهما للآخر.. أو دعابة مستملحة، أو هدية في مناسبة - وما أكثر المناسبات في الحياة الزوجية - أو مشاركة رمزية من الزوج في أعباء المنزل وأعماله.. وإن هذه الأشياء التي تبدو لدى بعضهم أشياء تافهة صغيرة لها وقع في النفوس، ولها نفع وأي نفع .





الحب يبني الأسرة المسلمة

يقول الأستاذ محمد قطب في كتابه " منهج التربية الإسلامية " :

ومن أجل تحقيق التوازن في سد حاجات الإنسان النفسية والبدنية اعتبر الإسلام الغريزة الجنسية إحدى الطاقات الفطرية في هذا التركيب ويجب أن يتم تنظيم وضبط تصريفها لا إطلاقها ولا كبتها.

إن استخراج هذه الطاقة من جسم الإنسان ضروري كما أن اختزانها غير سوي وفيه مضرة .. ولكن بشرط الانتفاع بها وتحقيق مقاصدها الإنسانية .

وأول تلك المقاصد : عقد أواصر المودة والرحمة بين الرجل والمرأة ...

وثانيها : تكوين الأسرة محضن الأمن والراحة والسعادة ، ومفرخ الأجيال ، ومصنع الرجال ومناط المسؤولية الاجتماعية ، وهي مباءة جديدة يتسع فيها معتى الحب ويكبر ، ويزداد نمواً وتألقاً وإشراقاً .

وثالثها : إخصاب الحياة باستمرار النوع الإنساني وتكاثره ومن ثم يتسلسل الحب مودة ورحمة وتعاطفاً من الأسرة الصغيرة إلى الأسرة الاجتماعية الكبيرة .

ورابع المقاصد : استفراغ الطاقة الجنسية في أسلوب بعيد عن البهيمية المحضة والفوضوية المطلقة تحقيقاً للراحة النفسية والحسية عند الطرفين .

وخامسها: أن يظل الحب عنواناً مهيمناً يسمو بروح الإنسان وجسده عن دنيوية وحيوانية الجنس . انتهى .

إذاً فالميل الفطري نحو الجنس الآخر إذا نبت منه الحب فلا بد أن يروى هذا النبت بالنكاح ليثمر لنا خير الفرد والأسرة والمجتمع.



النكاح هو النهاية الطبيعية للمحبين :

روى ابن ماجه والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [ لم يُر للمتحابين مثل النكاح ] . المعنى أنك - أيها المحب - لم تر ما تزيد به المحبة مثل الزواج فإذا رأى رجل امرأة فأخذت بمجامع قلبه فنكاحها يورثه مزيداً من المحبة ولذا قال العلماء: أعظم الأدوية التي يعالج بها العشق النكاح فهو علاجه الذي لا يعدل عنه لغيره ما وُجد إليه السبيل، (راجع فيض القدير للمناوي ) .

ومن القواعد الحياتية المسلَّم بها في دنيا الناس أن لكل داء دواء، ولكل مرض علاجاً، سواء كان في البدن أم في النفس ، في الجسم أم في أعماق الوجدان.

وحيث إن الحب عاطفة أصيلة في الكيان النفسي للإنسان ، بل هي مدار كل الرغبات والانفعالات والصلات، ومرتكز التجاذب أو الابتعاد، تتأثر بالموجودات والمتطلبات تبعاً لصفاء النفس وإشراقها سمواً ، أو عتمتها وإخلادها إلى الأدنى هبوطاً فهي بين استقامة وانحراف…

والاستقامة علامة صحة وسلامة، والانحراف مؤشر مرض وابتلاء… وكلما كان الانحراف أشد كان الداء أظهر وأكثر فتكاً.

وفي القاموس الطبي : إن صحة وصدق التشخيص نصف العلاج، فإذا وضع الطبيب يده على المرض سهل عليه علاج المريض، وهانت عليه مداواته.

والله تعالى، الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب إليه من حب الوريد، والذي ركب فيه طاقاته وقدراته، وهو أعلم به منه.. وقد يسر للإنسان سبيل الوصول إلى تمام العلاج من داء الهوى، صراطاً ميسراً وجرعة كافية، سواء كان ذلك الحب المألوف المعهود، أو للحب بمعناه الأوسع الأعم، فمن تنكب الطريق… أو ازداد من الجرعات فقد أخطأ طريق المداواة، وتفاقمت العلة عنده، وأنذرت بالخطر الشديد حاضراً ومستقبلاً في دنياه وآخرته.

ومن نافلة القول أن نكرر الحديث النبوي الشريف القائل : [ لم يُرَ للمتحابين مثل النكاح ] إذ إن إلحاح الغريزة وسُعرها أشبه بالسياط تلسع البدن وتستحثه، ألا ترى معي كيف أن الحوذيَّ يقرع بهيمته تارة بالعصا، وطوراً يلاحقها بالسياط لتسرع في السير، فتركض وتجري لاهثة تعبة، وقد يكون العبء ثقيلاً فتسقط من الإعياء، وقد تقضى ! ومن العدل والحق أن يخفف الحمل، وأن يتئد في السير، فيضمن الوصول وعدم الخسارة.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها فإن ذلك يرد ما في نفسه ] رواه مسلم وغيره .

هذا بالنسبة للمتزوج المحب.. أما العازب فماذا من أمره ؟

قال عليه الصلاة والسلام : [ يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء] رواه البخاري ومسلم .

والحديث من الوضوح إلى درجة لا تتطلب جهداً عقلياً لإدراك معناه ومغزاه.

علماً بأن الفردية مكروهة ممقوتة، شرعاً وعقلاً، فهي لا تنطوي على خير أو استقامة، ولا تؤدي إلى أي واحد منهما. و(لا رهبانية في الإسلام).

[ ... وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني] (رواه البخاري ومسلم ) .

ويروي لنا التاريخ قصص بيوت كثيرة في الإسلام بُنيت على أساس الحب الصادق فأثمرت خير الثمار.



يقول الأستاذ عبدالحليم أبو شقة تحت عنوان " الحب بين الزوجين " :

قال تعالى: ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) ، "سورة الروم:21" .

قبل أن نمضي في بحث الحقوق الجزئية لكل من الزوجين، نود أن نعرض لشعور كريم، نرجو أن يسود بين الزوجين، إذ إنه يعين على أداء تلك الحقوق على أكمل صورة، هذا الشعور هو الحب، يقذفه الله في قلب من شاء من عباده.

والحب الذي نقصده هنا ليس مجرد نزوة عابرة سرعان ما تخبو ، بل هو شعور راسخ عميق الجذور ، طويل العمر، وهو فضل من الله ونعمة. والعاطفة عند علماء النفس : من طبيعتها الهدوء والاستقرار والاستمرار .

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول عن خديجة: [ إني رزقت حبها] رواه مسلم .

على أنه قد يبدأ الزواج بحياد عاطفي لكن سرعان ما تنمو مشاعر الحب بين الزوجين نتيجة العشرة الطيبة وأخلاق الوفاء والعطاء. وعندها ينعم الزوجان بحياة طيبة هنيئة.



من واقع الحب



شواهد من حب الرجل لزوجته

1- حب رسول الله لزوجه خديجة :

- عن عائشة قالت : ( ما غرت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة وإني لم أدركها . قالت : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة فيقول : أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة قالت فأغضبته يوماً فقلت : خديجة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ إني قد رُزقت حبها ] رواه مسلم

- وعن عائشة قالت: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف استئذان خديجة، فارتاع لذلك فقال: اللهم هالة. قالت: فَغِرت فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين - أي ساقطة الأسنان حتى لم يبق داخل فمها إلا اللحم الأحمر - هلكت في الدهر قد أبدلك الله خيراً منها! ( وفي رواية عند أحمد: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما بدلني الله خيراً منها] . رواه البخاري ومسلم .

- وعن عائشة قالت: جاءت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو عندي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أنت ؟ قالت: أنا جَثَّامة المزنية، فقال: بل أنت حَسَّانة، كيف أنتم ؟ كيف حالكم ؟ كيف كنتم بعدنا ؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله . فلما خرجتْ قلت: يا رسول الله تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال ! فقال: [ إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان] . رواه الحاكم .



2- حب رسول الله لزوجه عائشة:

- عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أُرِيتُك في المنام، يجيء بك الملك في سَرقة - أي قطعة - من حرير، فقال لي: هذه امرأتك. فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت هي] فقلت: إن يك هذا من عند الله يُمْضِه. رواه البخاري ومسلم .

- وعن أنس أن جاراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فارسياً كان طيب المرق، فصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء يدعوه، فقال: وهذه ؟ ( يقصد عائشة) فقال : لا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا . فعاد يدعوه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهذه ؟ فقال : لا . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا. ثم عاد يدعوه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهذه؟ قال: نعم في الثالثة. فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله. رواه مسلم .

- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إني لأعلم إذا كنتِ عني راضية، وإذا كنت عليَّ غضبى ] . قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: [ أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين : لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلتِ: لا ورب إبراهيم ] رواه البخاري ومسلم .

- عن الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ وَا رَأْسَاه فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ ذَاك لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرَ لَكِ وَأَدْعُوَ لَكِ ] فَقَالَتْ عَائِشَةُ : وَا ثُكْلِيَاهْ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي وَلَوْ كَانَ ذَاكَ لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ بَلْ أَنَا وَا رَأْسَاهْ لَقَدْ هَمَمْتُ أَوْ أَرَدْتُ أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ وَأَعْهَدَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ أَوْ يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ ] رواه البخاري

وفي رواية ابن ماجه : عن عائشة قالت رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعاً في رأسي وأنا أقول وا رأساه فقال : [ بل أنا يا عائشة وا رأساه ثم قال ما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك ]

- عن عروة: … كان المسلمون قد علموا حب رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرها حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة، بعث صاحب الهدية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة. (وفي رواية: أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بها - أو يبتغون بذلك - مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري ومسلم .

- عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسأل في مرضه الذي مات فيه، يقول: أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ ] يريد يوم عائشة. (وفي رواية" استبطاء ليوم عائشة) فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها. رواه البخاري ومسلم.

و قد يتساءل بعضهم : ما السر في اختصاص عائشة بهذا الحب الكبير؟

والجواب أنه كما كانت خديجة شخصية عظيمة كانت عائشة شخصية لها قدرها. لم تكن مجرد فتاة جميلة، بل كانت مع صغرها وجمالها ذات عقل ناضج وقلب كبير. نشأت منذ طفولتها في بيت هو أقدم وأصلح بيوت الصحابة جميعاً، بيت أبي بكر الصديق. وقد اختارها الله زوجة لرسوله صلى الله عليه وسلم وأراها له في المنام مرتين في سرقة من حرير.

وفضلاً عن ذلك فقد كان لها مزايا عديدة ، منها: حرصها على طلب العلم.. وثمة شواهد كثيرة على علمها منها : عقد مجالس العلم في بيتها.. واستدراكها على الصحابة بل على كبارهم.. وطموحها إلى المعالي.. وحرصها على المشاركة في الجهاد قبل الحجاب وبعده.. وحرصها على كسب العمرة مع الحج.. وذكرها الفضل لأهله ، سواء كان لإحدى ضرائرها، أم كان ممن أسرف في حديث الإفك، أو كان قد قتل أخاها.. وزهدها وبذلها السخي.. وورعها.. ورَباطة جأشها.. وصدق الرواية ولو على نفسها.. ومحنتها الكبرى وتبرئة الله تعالى لها في كتابه العزيز.. وأخيراً تكريم الله تعالى لها



من أشعار الأزواج المحبين



ونحب في هذا المقام أن تمتع سمعك وناظريك - أيها الحبيب - بقصيدة تشع منها العاطفة الصادقة من قلب زوج محب يبث زوجته حبه وعاطفته معترفاً بفضلها ، مدركاً لقيمتها ، ضارعاً إلى المولى سبحانه أن يجمعه وإياها في جنة الخلد يقول :



حبيبتي ... زوجتي

عبد السلام البسيوني

براك الله لي سكنا ورَوحاً يُنعش البدنا

وأهدى من كرامته حناناً دافقاً وسنَا

وأودع بعض رحمته بقلبك كي أفوز أنا

وسوّاك بنصف الدين كي تدنو الجِنان جَنى

أيا نوراً بأيامي لقد طوَّقتـِني مِنَناً

فخيرُ متاع دنيانا غدا بيديك مرتـَهَنا

لأنتِ الواحة الغناء تؤوي المجهَد الوهِنا

وطلعةُ وجهك البسامِ تمحو الهم والحزَنا

وصبرك إن ألمّ الخطْب أو صبّ القضا مِحَنا

وتذكيري بعهد الله يعطي عزمتي شُحَنا

وتثبيتي على الطاعات إن فترتْ عزيمتنا

وشدُّ العزم في اللأواء نحو الخير يدفعنا

أُحبُّك يشهد المولى وإن الحب ينفعنا

فحسبي منكِ مرحمة تزيل متاعباً وضَنى

جزاكِ الله خالقُنا نعيماً دائماً عَدَنا

وعلّ الله يكرمنا وفي الفردوس يجمعنا





شواهد من حب المرأة لزوجها

ومع تلك الشواهد على حب الرجل لزوجه، توجد شواهد أيضاً على حب المرأة لزوجها ومنها:



1- حب خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

ويظهر ذلك في حسن استقبالها له ومواساته ساعة الشدة ثم السعي لطمأنته:

- عن عائشة أم المؤمنين قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلو بغار حراء فيتحنث فيه.. حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك. فقال: اقرأ، قال ما أنا بقارئ.. فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زملوني. زملوني، فزملوه حتى ذهب عن الرَّوع ( أي الخوف) ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتَقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

وإن مما يؤكد حب خديجة لرسول الله قوله صلى الله عليه وسلم عنها: [ آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدّقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها] . رواه أحمد.



2- حب عائشة لرسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم

- عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :

[ أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد. وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم ] . قالت: قلت: أجل، والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك. رواه البخاري

- وقول عائشة: ( أجل يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك): قال الطيبي: هذا الحصر لطيف جداً، لأنها أخبرت أنها كانت في حال الغضب الذي يسلب العاقل اختياره لا تتغير عن المحبة المستقرة… وقال ابن المنير: مرادها أنها كانت تترك التسمية اللفظية ولا يترك قلبها التعلق بذاته الكريمة مودة ومحبة . ( عن فتح الباري لابن حجر )

- عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما أُمر رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: [ إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك..] قالت: فقلت: ففي أي هذا أستأمر أبوي! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.

- عن عروة: أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات، ومسح عنه بيده. فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه، طفقتُ أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث، وأمسح بيد النبي صلى الله عليه وسلم عنه.

- عن ذكوان… أن عائشة كانت تقول: إن من نعم الله عليّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي، وفي يومي وبين سَحْري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، ودخل عليَّ عبدالرحمن (ابن أبي بكر) وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم. فتناولته فاشتد عليه، فقلت: أُلِّينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم. فليَّنته فَأمرَّه. (وفي رواية ثانية: فقضمته ونفضته وطيبته، ثم دفعته إلى النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستن به، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استن استناناً قط أحسن منه ) . ( وفي رواية ثالثة : فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة). وبين يدي رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات. ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قُبض ومالت يده.



3- حب سائر أمهات المؤمنين له صلى الله عليه وسلم:

أما عامة نسائه صلى الله عليه وسلم، فيكفي شاهداً على حبهن له، أنهن جميعاً لما نزلت آية التخيير اخترنه صلى الله عليه وسلم، وفعلن مثل ما فعلت عائشة . اخترنه في صحبته مع شظف العيش، وقبول الترمل الدائم من بعده، رضاء منهن واعتزازاً بأن ينسبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا، ويصحبنه في الجنة في الآخرة.



4- حب زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم لزوجها:

- عن المِسْوَر بن مخرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم… [إني أنكحت أبا العاص ابن الربيع فحدثني وصدقني] . وفي رواية: [ووعدني فوفى لي ] . رواه البخاري ومسلم .

- وعن عائشة قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة، أدخلتها بها على أبي العاص، قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال: [إن رأيتم أن تُطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها] . فقالوا: نعم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ عليه، أو وعده أن يخلي سبيل زينب إليه، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، ورجلاً من الأنصار فقال: كونا ببطن يأجج - وهو اسم مكان بين مكة والمدينة - حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها.

وفي " فتح الباري" : ( … توج أبو العاص بن الربيع زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وهي أكبر بنات النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم (وأسلمت زينب وأبى أبو العاص أن يسلم) وقد أُسِرَ أبو العاص ببدر مع المشركين، وفدته زينب. فشرط عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسلها إليه، فوفى له بذلك فهذا معنى قوله في آخر الحديث: [ووعدني فوفى له] ".

وفي " الطبقات الكبرى ":

خرج أبو العاص بن الربيع إلى الشام في عير لقريش، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تلك العير قد أقبلت من الشام، فبعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب، فلقوا العير بناحية العيص في جمادى الأولى سنة ست من الهجرة، فأخذوها وما فيها من الأنفال وأسروا ناساً ممن كان مع العير، منهم أبو العاص بن الربيع. فلم يعد أن جاء المدينة، فدخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسحر - وهي امرأته - فاستجارها فأجارته، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، قامت على بابها فنادت بأعلى صوتها: إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ أيها الناس هل سمعتم ما سمعت؟] قالوا: نعم. قال: [ فوالذي نفسي بيده ما علمت بشيء مما كان حتى سمعت الذي سمعتم، المؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم أدناهم، وقد أجرنا من أجارت] . فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله، دخلت عليه زينب فسألته أن يردّ على أبي العاص ما أُخذ منه، ففعل وأمرها ألا يقربها، فإنها لا تحل له ما دام مشركاً. ورجع أبو العاص إلى مكة فأدى إلى كل ذي حق حقه، ثم أسلم ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً مهاجراً، في المحرم سنة سبع من الهجرة، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بذلك النكاح الأول.



5- حب أم سلمة لأبي سلمة:

- عن أم سلمة أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأَخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها] . قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة ؟! أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم .

- وعن أم سلمة قالت: لما مات أبو سلمة قلت: غريب وفي أرض غربة لأبكينه بكاء يُتحدث عنه. فكنت قد تهيأت للبكاء عليه، إذ أقبلت امرأة من الصعيد - أي أطراف المدينة - تريد أن تسعدني، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: [ أتريدين أن تُدخلي الشيطان بيتاً أخرجه الله منه ؟! مرتين] فكففت عن البكاء، فلم أبكِ . رواه مسلم .



من أشعار الزوجات المحبات



وفي هذا المقام يحسن بنا أن نذكر أبياتاً من واحة الشعر النسائي الذي يتسم بالعاطفة الصادقة والإحساس المرهف والمشاعر النبيلة على لسان الزوجة المحبة الوفية .



إلى زوجي الفاضل

منيرة توفيق

طال السهاد وأرَّقت عينيّ الكوارث والنوازلْ

لما جفاني من أُحــ ـبُّ وراح تشغله الشواغل

وطوى صحيفة حبنا وأصاخ سمعاً للعواذل

يأيها الزوج الكريم وأيها الحِب المواصل

ما لي أراك معاندي ومعذبي من غير طائل

لم ترعَ لي صلة الهوى وهجرتني والهجر قاتل

هل رمتَ أن تغدو طليـ ـقاً لا يحول هواك حائل

أو رُمتَ غيري زوجة يلا للأسى مما تحاول

إن تَبغِ مالاً فالذي تدريه أن المال زائل

أو تَبغِ حسناً فالمحا سن جمة عندي مواثل

أو تَبغِ آداباً فأشـ ـعاري على أدبي دلائل

أنا ما حفظت سوى الوفا ء ولا ادخرت سوى الفضائل

وأنا ولي شرف العفا ف أُعَد مفخرة المنازل

فجزيتني شر الجزا ء وكنت فيه غير عادل

أَنسيتَ عهداً قد مضى حلو التواصل والتراسل

أيام تبذل من وسائل أو تنمق من رسائل

وتبث معسول المنى وتمد أسباب التحايل

ولبثت تغريني بما تبديه من غُرّ الشمائل

فحسبتُ أن الدهر أنـ ـصفني وأن السعد ماثل

ظناً بأنك لم تكن لا بالعَقوق ولا المخاتل

ماذا جرى فهجرتني والحب شيمته التساهل

عاشرتَ أهل السو ء فاقتنصوك في شر الحبائل

ومضيت تطلب بينهم عيش المقيد بالسلاسل

ورضيتَ هجر حليلة لما تزل خير الحلائل

والله ما فكرتُ يو ماً في جفاك ولم أحاول

فجفوت يا قاسي الطبا ع ولم تدار ولم تجاهل

فاعلم بأنك قاتلي والموت فيما أنت فاعل

أين المسائل والمـوا صل في العشي وفي الأصائل

أين المودة في الهوى بيني وبينك بالتبادل

أين الحديث العذب منـ ـك وأين ولي سحر بابل

إني أسائل أين عهـ دُك في الهوى إني أسائل

أَعَلمت ما فعل النوى بي من ضنى أم أنت ذاهل

فاربأ بنفسك وانهها وارجعْ إلى زين العقائل



إلـفي

رقيةالطاهر

روحَ الفؤاد

لأنت غيثٌ ماطرٌ

يروي الفؤاد المستهامَ.. الصادي

زوجي

إليك تحيةً ممهورةً

بالشوق

بالحب النبيل تنادي

مشفوعةً مني بأصدق لهفةٍ

حرّى

يسطّرها دمي... ومدادي

هذا يراعي اليومَ

يرشحُ ذوبهُ

في أسطرٍ ممزوجةٍ... بودادي

هل بدعةٌ

نظمي لآيات الهوى

وهتافُ روحي باشتياقي البادي!؟

يذوي كياني

إن يكف عن الغِنا

ويظل صوتي دائم الإنشادِ

دوماً أترجم قصةً لمحبة

لم تُحكَ في عفراءَ

أو بسعادِ

صيغت على قدرٍ من ربنا

فغدت

غرّاء... تهدي دربَنَا

كالحادي

مُلئ الفؤادُ محبةً

ومودّةً

أو لستَ أنتَ مكثِّراً

حسادي ؟

بك أستعين على الزمان

وصرْفِهِ

بعد الإلهِ

ألست أنت عمادي؟!

بعد الإله وحبِّه

من ذا ترى

للروح.. قد كان السراجَ

الهادي

أخشى عليك نسائماً

رقراقةً

وأُديم فيك تفكرّي

وسهادي

شوقي إليك

وأنت تدخل عشّنا

شوقٌ يدومُ

على مدى الآماد

لا تحسبنْ أني أقول تجمُّلاً

أو أنني أفتاتُ

في إنشادي

قلبي الذي

يملي السطور بنبضهِ

والروح قد سعدت

بذا الترداد

للشوق.. والحبّ

الذي فاضت به

صارت تُبين من الهوى ... الوقّادِ

ترنو إليكَ جوانحي

مشتاقةً

والقلب يهتفُ صادقاً

وينادي:

كن لي أباً..

ومعلماً

ومقوماً

كن لي الهوى..

يا قبلتي.. ومرادي

وترفّقَنْ حِبي

فقلبي عاشقٌ

حتفي

إذا حكمَ القضا ببعادِ

قد قدّرَ الرحمنُ

أن أَهْنا بكم

فالله خيرٌ واهباً.. والهادي

فادعُ الرحيمَ

بأن يديمَ هناءَ نا

يا جنتي

يا فارسي.. وودادي



حقاً إنها من أعذب الشعر الذي جادت به أقلامهن ، لا يحول بينه وبين القلب حائل ولا غرو فإن نبض القلب يشيع بين حروفه وفي بنيانه ، والحس المرهف تختزنه كلماته . إنها العاطفة الصادقة والمحبة الباسقة ... !







تشويه الحب في الأدب والإعلام العربي المعاصرين



تمهيد :

تأثر الأدب العربي المعاصر ومعه الإعلام بالنظرة الغربية المادية للحب فهوى به إلى مستنقع الحيوانية والرذيلة في جانب كبير منه وصار الأدب لا يعبر عن أشواق عاشق ولا عن زفرات محترق ساهد بل صار يعبر عن نبيب حيوان شبق يريد أن يروي غريزة الجنس وهكذا تردى الأدب المعاصر في جانب كبير منه ليس فقط بتضييق مفهوم الحب بل بتشويه حب الرجل للمرأة.

يقول الأستاذ محمد علي قطب في كتابه "الحب والجنس " :

فكلهم أو جُلهم، يتحدث في هذا الموضوع من خلال علاقة الرجل بالمرأة، عاطفياً أو جسدياً، فهم (يقوقعون) هذه العاطفة النبيلة في أضيق إطار وأقل حيز… وبعدها (يهبطون) بها إلى الدرك الغريزي ويمضون بها على صراط غير سوي من العلاقة التي لا تُنتج إلا إثماً، ولا تُزهر إلا شوكاً وقتاداً، سواء على الذات الفردية أو المجتمع البشري.

ومن عجب أن يُسمى هذا اللون من الشعر أو المقالة، بالأدب المكشوف، ولقد حفلت به كتب التراث !

فهل هناك أدب مُغطى ؟ وإلى أي حد تتناسب معه كلمة: (الأدب)…!؟

إن من حق التاريخ على الأمم أن تسجل حياتها على ما هي عليه في مختلف أدوارها، صعوداً أو هبوطاً، سمواً أو دنواً، رقياً أو انحطاطاً.

وأيضاً…

فمن حق التاريخ على الأمم أن تفرز ذلك اللون عن (الأدب)… وتحق الحق فتعطي هذا اللون حجمه، وتسميه بما هو أهله… فالأدب مُنشَّؤ أخلاقي واجتماعي، وهو سبيل الكلمة البناءة إلى عقول ونفوس الأفراد، تُصور وتوجه، تدرُس وتبحث ثم تستخلص الحكمة.. مشعلاً يبدد الظلام وينير الطريق ويهدي إلى الخير.

(فأما من طغى، وآثر الحياة الدنيا، فإن الجنة هي المأوى، وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى) ، "النازعات:37" .

والطغيان هو مجاوزة الحد…

ولقد بينه المولى عز وجل هُنا بأنه إيثار الحياة الدنيا… والعبارة على وجازتها ذات امتداد هائل يشمل كل حياة الفرد الدنيوية، ويُغطي مساحة عُمره…

وإيثار الحياة الدنيا هو تفضيلها… ولكن على ماذا؟

على الجنة ونعيمها..! وفي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر!! ولماذا؟

لأنه (هوى) بقلبه ونفسه الأمارة بالسوء إلى حضيض الشهوة المادية واللذة الحسية، فاتبع هواه فتردَّى…! وهذه حقيقة الحقائق.

ويقابلُ هذا (الإيثار) و(الهويّ)… صورة وضاءة مشرقة.. صورة تسمو بالحب وترتفع به، وتحلق معه في آفاق العلياء وآماد الجوزاء، إلى مقام الرب - سبحانه - وتضغط بعقابيلها ونعالها على هوى النفس، شامخة برأسها إلى العلاء، ساعية حثيثاً إلى جنة المأوى… عند سدرة المنتهى، صورة هي: الحب كله لله وحده..

وإذا بدنيا المؤمن وآخرته وحدة لا تتجزأ ، وعروتها وثقى لا انفصام لها.

وأما في الأدب المكشوف فقد استخدم الحب أبشع استخدام لتخريب المجتمعات بجعله داعياً إلى الرذيلة والتمرد على القيم الأخلاقية وبمعى أوسع إلى هدم الإعلام المجتمع. وتمت صياغة الأدب المكشوف في كل قنوات الإعلام المعاصرة كالجرائد والمجلات والسينما والمسرح والتلفيزيون والغناء الذي جعل أشعار الماجنين على كل لسان. وصارت المنكرات الشرعية معروفاً مقبولاً بل محبوباً.

1- صورة الحب في الرواية

كرست الرواية لطرح أفكار المجون والانحلال والتمرد على كل الثوابت.

يقول الأستاذ عبدالسلام البسيوني في كتابه " ماذا يريدون من المرأة " :

المشكلة أن مثل هذه الأفكار لم تعد - في كثير من الأحيان - حبيسة صفحات هذه الروايات بل صارت تخرج إلينا عبر الإذاعة والتليفزيون والسينما مع كثير من التوابل والبهارات التي تغير العقول وتعبث بالقلوب.

وإن كثيراً من روايات نجيب محفوظ وعبدالقدوس ويوسف إدريس والقعيد والغيطاني وغيرهم عرضت سينمائياً وإذاعياً وتليفزيونياً، بما تحوي من خلاعة ومناظر خارجة مسيئة.

فقد صورت لقطات مباشرة وواضحة للشذوذ والفاحشة بين كثير من الممثلين والممثلات في" أريد حلاً، وحمام الملاطيلي، والإرهاب والكباب، وحبيبي دائماً، وجنون الشباب، والثلاثية، وغيرها.

كما تم إجازة أفلام ممنوعة مثل درب الهوى وخمسة شباب الذي وصفته مجلة آخر ساعة (30/3/94م) بأنه من هذه الأفلام التي تعكس حياة الغانيات المليئة بالجنس والإغراء المقصود، وتسيء إلى تاريخنا، لأنها مسمومة ومليئة بالجنس، تدور أحداثها في أماكن ممارسة البغاء، والبطلة تمتهن الدعارة بشكل رسمي، والرجل المخنث الذي يضع الأصباغ، ويرتدي ملابس النساء، ويتلوى بطريقة مقززة، في محاولة للدفاع عن الساقطات بلغة سوقية، وحوار مبتذل، وألفاظ ممجوجة، على لسان الغواني والقوادين، تعبيراً عن موجة تظهر بائعات الهوى في مظهر القديسات.

ويمكن أن نستخلص من ذلك كله ما يلي:

1. استخدام قضية الحاجة الاقتصادية للمرأة مبرراً للفاحشة.

2. الحرية سبب كافٍ للبغاء.

3. الشر العام في المجتمع مبرر للبغاء.

4. الحاجة النسائية ملحة ودائمة للارتواء البدني والاستمتاع بمباهج الحياة.

5. القواد ليس شريراً دائماً وكذا البغي.

6. اعتزاز المرأة بنفسها وشموخها الشخصي (؟!).

كلها مبررات سبقت، وقد أشبعونا في السينما والتليفزيون في الماضي وحديثاً - ولا يزالون - عن الساقطة الفاضلة - على طريقة غادة الكاميليا - والبنت التي احترفت البغاء لتطعم نفسها.. فالخيط بدأ من وقت بعيد.. ويبدو أنه لا نهاية له قريبة حتى يصير المجتمع كله لا قدّر الله مجموعة من "البغايا الشريفات".

وإليك طائفة من الأمثلة للروايات المعاصرة:

في رواية الجزائري رشيد بوجدرة "التفكك" يحكي لنا عن سالمة المتعلمة التي تشرف على المكتبة الوطنية وتدخن علبتي سجائر وتطالع الكتب والمجلات وتحمل في يدها صفيحة من أقراص منع الحمل تعشق ثم تندم وتقطع العلاقة كلما شعرت بأن صاحبها قد بدأ يتعلق بها. وتقول أكره الأمومة.. وكل النساء أمهات وُضعن لهذا الدور منذ الطفولة وأنا الطائشة لن أكون أماً . رجالَ العالم : موتوا فجسدي ملكي وليس ملك أحد .

وفي رواية "الوباء" للسوري هاني الراهب تقول مريم التي تحب الحرية: أنا زانية؟ يعي أنت تقرف مني؟ فيقول زوجها، بلهاء . الزانية مقدسة. أنت تهدمين المزارات النتنة في عقولهم. سألتها خولة: ألا تندمين على شيء؟ فأجابت: على أي شيء أندم؟ ماذا يريد ابن آدم من حياته؟ كنت دافئة في عز الشتاء قد أكون خالفت وجدان الناس غير أني عشت ومن لم يعش مثلما عشت لا يكون عاش. شبعت حباً وخبزاً وحرية والناس جائعة مذلولة!!

وفي رواية "طواحين الهواء" للبناني توفيق يوسف عواد تقول البطلة تميمة: سأحارب تحت كل سماء ضد كل الشرائع والتقاليد التي ارتضاها المجتمع، لأنه باسمها أنكر عليّ حق الحياة تحت سماء بلادي. وكانت تعبر عن رغبتها في أن يتعدد عشاقها وأن تهدف إلى الزواج من نصراني وهي مسلمة ويقول عشيقها رمزي: الحب الخالص من بشاعات الشرائع والتقاليد هو وحده الحب المقدس وقدسيته الوحيدة هي الحرية ويقول حبيبها هاني: مغروز فيّ الشك يا تميمة هل الله في النتيجة إلا رمز القيم بل مجموع القيم التي تجعل من الإنسان مخلوقاً يستحق هذا الاسم أتكلم على الله الحقيقي لا إله الطوائف والملل.

وفي رواية "طيور أيلول" تعبر إملي نصرالله" عن أحقية المسلمة في أن تحب النصراني وتتزوجه . وهكذا الحرية والحب؟.

وفي رواية "عائشة" كتب التونسي بشير سلامة عن مجموعة كبيرة من النساء كلهن مارسن الدعارة أو عشقن غير أزواجهن ولهن قدرة عجيبة في أن ترضين نزواتهن ونزوات الرجال ولا تبالي المرأة منهن أن تدس ولداً غير شرعي على زوجها ولا تحفل أن تستسلم لرجل غير زوجها ثم تعود إلى فراش زوجها في شيطانية عجيبة وفي أثناء الرواية يتفنن المؤلف في وصف اللقاءات الجنسية.

وفي رواية "الطريق المسدود" لإحسان عبدالقدوس كانت للبطلة فايزة أم وأخت زانيتان وكانت تقرأ للكاتب منير الذي اتهمها بأنها معقدة وحين عملت في إحدى القرى غارت منها النساء لجمالها الشديد، وتُصدم في حبيبها أحمد الذي عرفته بالقرية، لتقول : إن الفساد في القرية والمدينة واحد، وإن الرجال جميعاً أنذال، فتقرر بعد ذلك أن تكون مثل أختيها فوقية وخديجة.

وفي " أنا حرة " تقرر أمينة بطلة الرواية أن تنزع الحرية التي تنشدها فتصادق زميلها بالجامعة الأمريكية - هرباً من العقلية المصرية - وتخرج معه، وترتبط ببعض الفتيان تلهو معهم، وتراقصهم، لتتحرر من قيود البيت، وقيود التقاليد، وحاجتها للآخرين.. وتقول:

" جوزي طول ما بيصرف عليّ يقدر يذلني، ويفرض عليّ إرادته، ويعمل فيّ اللي هو عايزه.. "

وتتحول بعد ذلك إلى الكفاح ضد الإنجليز مع عباس الذي أفهمها أن الحرية المجردة ليست حرية.

" أنا حرة " تعبير عن أزمة الفتاة البرجوازية في وسط انهارت فيه القيم (؟) ولم يعد هناك ما يربطها بالأخلاق والمثل والمجتمع الذي تعيش فيه، وقد مضت وحدها تبحث عن حريتها، لا لتحقق هدفاً، وإنما لتحقق مطالب الجسد. تنعدم القيم الأخلاقية عندها، ويكون الجنس هو محور أزمة الفتاة التي كفرت بكل شيء، وآمنت بالرجل، لا كإنسان، وإنما كمعبود للجسد.

وأما يوسف إدريس فيقدم عزيزة بطلة "الحرام" نموذجاً للفلاحة الفقيرة التي يمرض زوجها، ويعجز عن العمل، فيعيشان حياة صعبة، وتسقط عزيزة مع محمد بن قمرين، ولا تستطيع مقاومة رغباتها، وتحبل، وينتفخ بطنها، وتحاول إخفاء الانتفاخ، لكن عبثاً، وتضع مولودها بين عمال التراحيل، وتخنقه خوف الفضيحة، وتموت بعد ذلك بحمى النفاس.

وفي النداهة - كذلك - تسقط فتحية التي انتقلت من القرية إلى المدينة بدافع خفي، ونداء نحو التحضر (؟!) والخروج من القرية المتخلفة، وتقع بين براثن جارها الذي ينال غرضه بسهولة تامة، بعد أن رأى فيها رغبة جامحة.

وحين يسعى زوجها للعودة بها إلى القرية - بعد هذا السقوط - تقرر البقاء بالمدينة، وألا تضيع تجربتها - المتحضرة - التي وصلت إليها (؟!)

ويواصل يوسف إدريس عرض فكرته عن المرأة والحب، من خلال شخصيات غير شريفة.

وفي "خان الخليلي" يقدم نجيب محفوظ عليات الثائرة معشوقة للأزواج، وقد تزوجت زواجاً صورياً، زواج مهنة وارتزاق.

وفي "الثلاثية" الكثير من الجنس واللهو، ورسم لصورة خاصة بالمرأة لافتة للنظر، ففي " السكرية " يشير إلى أن الزواج أمر مادي يقوم على المساومة والدهاء والفوائد والخسائر.

ويقدم المرأة الشعبية غالباً ممثلة في جماعة البغايا و "العوالم " المتاجرات بالجسد، وإن استتر هذا أحياناً تحت اسم الفن رقصاً أو غناء.

وإذا كانت الطبقات الفقيرة قد مارست البغاء احترافاً ومهنة - بسبب الضغوط الاقتصادية - فإن هناك نساء أخريات قد مارسن البغاء لا بسبب الحاجة، وإنما بسبب الشذوذ، وعدم التمسك بالمبادئ والقيم، مثل هنية أم ياسين التي أفسدها كونها مطلقة وعلى قدر من الثراء، وتشاركها الطبيعة الشاذة والأخلاق المنحطة نفسها أم مريم التي أغواها مرض زوجها المزمن فجعلت تنتقل بين الرجال، وقد ورثت ابنتها مريم عنها الشذوذ نفسه حين بدأت حياتها في دنيا اللذة بالرضا عن معايشة الجنود الإنجليز حين قدموا إلى " بين القصرين " ، وتستمر في عبثها إلى أن تصبح صاحبة بار في "السكرية".

ويعطي نجيب محفوظ البغايا أسماء متفائلة مثل وردة وعطية وكريمة وجليلة وزبيدة.

وحين أراد محفوظ أن يقدم نماذج المرأة الجديدة المتحررة قدم سوسن حماد في "السكرية" وهي تناقش خاطباً لها، وتطلب منه أن يتخلص من كل رواسب البرجوازية فيه، وأنها سوف تطالب بقاموس جديد عند الكشف عن الكلمات المأثورة مثل: زواج، غيرة، الماضي.

وحين يُسأل زوجها بعد الزواج بها: وهل تزوجت على سنة الله ورسوله؟ ضحك وقال:

طبعاً الزواج والدفن على سنن ديننا القديم؟!!)

أما الحياة فعلى دين ماركس.

وترى زوجتا أحمد وعبدالمنعم أن الذرية والنسل موضة قديمة.

وفي " البحر ينشر ألواحه " يصور محمد صالح الجابري - تونس - الحياة في ماخور ويكشف الجانب الخفي في حياة بعض نساء الحي اللائي (لهن دائماً ما يخفينه عن الزوج) ثم يقول على لسان إحدى العجائز في خطابها لمدرس يحتاط لنفسه.

المرأة كقلب الخس، ريان على الدوام، ثم رجته العجوز أن يستقبل صبيحة التي ستزف بعد ثلاثة أيام، ورجته ألا يرد لها طلباً، وكان طلبها المدرس نفسه، فأعطته جسدها سخياً، ثم سألته إن كان سيحضر عرسها يوم الجمعة.

هذا هو الحب في الرواية المعاصرة ، والجنس هو المحرك الأول لكل شيء فيها تقريباً.

ترى كم ظلموا الحب وتجنوا عليه؟



2- صورة الحب في الشعر

أما صورة الحب في الشعر فلا تقلّ شناعة عن صورتها في القصة والرواية ويكفي أن نعرض لنموذج واحد من الشعر المعاصر للشاعر الأشهر نزار قباني ونترك المجال للأستاذ عبدالسلام البسيوني ليحدثنا عن هذا الشاعر .

يقول الأستاذ عبدالسلام البسيوني :

وأقر وأعترف بما هو أخطر - لأنني مأمور شرعاً بألا أكتم الشهادة - وهو أنني أعتقد حتى الآن أن الرجل من أشعر من ظهر في النصف الأخير من القرن العشرين إن لم يكن أشعرهم، فهو على رأس قلة من الشعراء الذين اخترعوا لأنفسهم قاموساً للمفردات والصور والخيالات التي أزعم أنه لم يسبق إليها، كتعبيراته الخنثوية مع وجع التفتا، والقميص الكسول، وشهقة الدانتيل، ووشوشة العطور وشَبَق الزنانير، وشرايين الشفق، وأراجيح الفل، وأضلاع الكمنجة.

وابتدع غزليات هي غاية في الجمال والرقة والعذوبة، كما في قصائده: عدّي على أصابع اليدين، إذا مر يوم ولم أتذكر، لا تسألوني ما اسمه حبيبي، وغيرها.

وهو الذي نقل شعر الغزل تاريخياً من مرحلة (تقول وقد مال الغبيط بنا معاً) الجاهلية، ومرحلة (فكان مجنّي دون من كنت أتقي) من عهد: ابن أبي ربيعة، إلى مرحلة حقول الورد، وموسيقى قوس قزح، ورائحة الشهوة، ولون العشق، وهو أيضاً الذي نجح إلى حدٍ كبير في تحقيق هدفه الذي رسمه لنفسه منذ ديوانه الأول:

(وأصير قاموساً لطلاب الهوى… وأصير فوق شفاههم ألفاً وباء)

حتى أصبح مجلة بلاي بوي متحركة، أو شريط فيديو إباحياً يسير على الأرض، فهو ينقل ما في غرف بيع الجسد شعراً على الورق، ويصور ما يدور في المواخير، ومخادع المتعة الحرام، بعبارات رشيقة، وتصاوير فاتنة، فشعره في رأيي كلحم الخنزير، لذيذ لكنه حرام! رغم أنه كرر نفسه كثيراً، و"لتّ وعَجَنَ كثيراً كثيراً كثيراً.

هذا هو صاحب المولد القادم نزار قباني، الرجل المباهي بنجاسة الذيل، المفاخر بأهرام الحلمات، المجاهر بفتوحاته الجنسية الخاطئة:

لم يبق نهدٌ أبيضٌ أو أسودٌ إلا زرعت بأرضه راياتي

لم تبق زاويةٌ بجسم جميلةٍ إلا ومرّت فوقها عرباتي

فصلّت من جلد النساء عباءة وبنيت أهراماً من الحلمات

وكتبت شعراً لا يطاول سحره إلا كلامُ الله في التوراة

أتقن هذا الفن أكثر من غيره، وكان إذا فتح الله عليه فتكلم عن شيء آخر غير القدود والنهود، لم ير في تاريخ الإسلام والعروبة ما يسر، فأخذ يكيل للعرب السباب، ويلطخ التاريخ بالهباب، ويعلن وفاتهم بالسكتة الحضارية، لأنهم لم يفتحوا أبوابهم للنساء "على البحري"، لم يفتح الرجل منهم بابه لزوجته أو ابنته كل ليلة لتخرج بعد العشاء، ويدعو لها من قلبه قائلاً: روحي الله يوفقك Have a Good Time!

إنه حضرة الإمام الأعظم نزار… الرجل النرجسي الذي يعشق نفسه من الرأس إلى الأخمص، معتقداً أن كل ما فيه فذّ - حتى الدعارة - فهو وحده الرجل، وهو الشاعر ، وهو الوطني، والآخرون "ولا حاجة".

· هو الشاعر الوحيد الذي ستبكيه الحانات والخمارات ، والبغايا والصبايا والمراهقات :

"إني أضأت، وكم خلقٍ أتوا ومضوا كأنهم في حساب الأرض ما خلقوا

غداً ستحتشد الدنيا لتقرأني وتحت شعري يدور الورد والعَرَقُ!"

· وهو المفكر الفلتة والأخرون "كخة".

"ونتّفت في الجو ريشي صعوداً ومن شرف الفكر أن يصعدا"

· وهو القنوع الذي لا يلهث وراء المجد كثيراً فأعظم ما يرضي غروره:

"كفاني من المجد تسبيحُ ثغرٍ جميلٍ بحمدي"

· وهو الساحر الذي يستطيع - وحده - أن يجعل المرأة امرأة، فإذا لم يقل لها كوني، لم تكن:

"اتركيني أبنيك شعراً وصدراً أنت لولاي يا ضعيفة طينُ "

· هو سبع البرمبة ومقطّع قلوب العذارى، ومعبود النساء:

"هو الجنس أحمل في جوهري هيولاه من شاطىء المبتدا

بتركيب جسمي جوعٌ يئن لآخر.. جوعٌ يمد اليدا"

· وهو الذي كاد أن يجعل الدعارة باباً من أبواب الهدى، والاستقامة، ومعرفة الله تعالى:

متى تدركين أنك أنثى عند نهديك يؤمن الإلحادُ؟!

· هو الذي طالب بتدمير كل فضيلة، وجعل العفة ضرباً من الجنون:

مجنونة من تحجب النهدين أو هي تحتمي

مجنونة من مرّ عهدُ شبابها لم تلثم

· وهو الذي رفع شعار أنه - أمام الجنس - ينبغي أن تلغى الأديان:

" لا يعرف الطوفانُ في جرفه ما حلل الله وما حرمَه"

· هو ليس نرجسياً فقط، بل هو مريض بمرض شاذ نادر، هو عِشقُ الثياب النسائية: Fetishism فقد سردها قطعة قطعة، وعراها قطعة قطعة، وعشقها قطعة قطعة، وتأستذَ في الحديث عن القميص المغتلم، والوشاح المخمور، ورافعة النهد الزاهية، والرداء المسعور، والفستان المذعور، والأزرار المفكوكة، والجورب المشمور، والوشاح الأحمر؛ فالمسكين "يحوص" بين النرجسية والفيتيشية: بين حب الذات لدرجة العمى، واشتهاء الثياب والقطع الداخلية، يستعرض عليها فحولته وعنتريته المهولة.

· وهو - بجانب هذا - شيزوفريني مزدوج، يتقمص جيداً دور المرأة، فيلبس ثيابها، ويتكحل بكحلها، ويتحلى بأساورها، ويرش على وجهه من عطورها، ويتغنج كما تتغنج، ويبيع نفسه - هذا كلامه - كما تبيعه أية فتاة ليل، ويجد لذلك فلسفة:

"لأن هذا الشرق غبي وجاهل ومعقد، يضطر رجل مثلي أن يلبس ثياب امرأة، ويستعير كحلها وأساورها، ليكتب عنها… من مفارقات القدر أن أصرخ أنا بلسان النساء، ولا تستطيع النساء أن يصرخن بأصواتهن الطبيعية".

ونتيجة هذا التقمص نراه أعظم محامٍ شرقي يتكلم باسم المرأة في حالاتها الساقطة كلها.

· يتكلم عنها وهي شاذة منحرفة جنسياً مع صديقتها، فيهتف:

"مطر مطر وصديقتها معها ولتشرين نواحُ

والبابُ تئن مفاصلُهُ ويعربد فيّ المفتاحُ

سرّ بينهما يعرفهُ اثنان أنا والمصباحُ

أحرامٌ أختاه إذا ما لَثَمَ التفاحَ التفاحُ؟

أتراني كُوّنت امرأةً كي تمضغ نهدي الأشباحُ؟

· يتكلم عنها بغياً تبيع لحمها، ويفلسف ذلك ويسوغه وربما قدم لنا القواد وهو يعرض اللحم الحرام:

هذه جاءت حديثاً سيدي ناهدٌ ما زال في طور الطفولة

أو إذا شئت فرافق هذه إنها أشهى من الخمر الأصيلة

· ويبكي في آخر قصيدة "البغيّ" على حال الشرق المجرم "بلاد المسلمين" الذي يحاسب البغي ويترك الرجل الزاني، فهو طبعاً يريدهما ألا يحاسبا جميعاً.. والبنت زي الولد دد!!..

تُسأل الأنثى إذا تزني وكم مجرمٍ دامي الزنا لا يسألُ

وسريرٌ واحدٌ ضمهما تسقط البنت ويُحمى الرجلُ

· ويتكلم عنها صبيةً مراهقة جريئة، تستفتي أمها الإباحية في قضايا الجنس:

"يغصبُ القبلةَ اغتصاباً وأرضى وجميلٌ أن يُؤخذ الثغرُ عنوة

أنت لن تنكري علي احتراقي كلنا في مجامر النار نسوة

وهناك قضية قانونية عويصة سقط فيها "أبو النُزر" وهي ليست وشاية مني للبوليس عموماً، فأنا شديد الكره للنمامين والوشاة لكنها تهمة تعاقبه عليها - وحدها - حتى الدول التي أباحت الشذوذ ونكاح المحارم… أعني قضية اغتصاب القاصرات.. وهي قضية عظيمة أفتى فيها بعض القانونيين بمعاملة المغتصب معاملة قاطع الطرق، أو على الأقل بالحكم الظريف الذي طولب به في بعض الدول، كالخصاء وقطع المذاكير… ففي قصائد كثيرة يقر "بعظمة لسانه" أنه غرر بقاصرات، بعضهن لا يزلن "يرضعن البزازة": "بفيها - بعدُ - اخضلالُ الحليب" ففي حديثه عن شتائه، يستمد القوة من طفلة وقادةٍ نارُها صيفية:

جهنمي الصغيرة لا تخافي

فهل يطفي جهنم مستطيعُ؟

فلا تخشي الشتاء ولا قواه

ففي شفتيك يحترق الصقيع"

· ويزعم أنه يستلهم الصبية الغريرة، ويمتاح من بحر فتنتها شعره:

"أحبك تعتزين في خمس عشرة

ونهدك في خير وخصرك معتلّ

وصدرك مملوءٌ بألف هديةٍ

وثغرك دفاقُ الينابيع مبتل"

· وعند أحد الجدران يختلي نزار ببنت عشر سنين، فيخدعها بكلمتين "حلوين" ثم يؤاكلها طعاماً حراماً:

"طعامنا اللثمُ فلو نُهينا

عنه إذن مِتنا بغير لثمِ

نهارك أسود يا نزار: بنت عشر سنين، وبنت خمس عشرة، وأخرى لا تزال ترضع من الببرونة؟!

مرة واحدة صحا ضميره مع إحدى الصغيرات، وكشف لها عن قناعه الصديدي فحين تكشفت له الصغيرة "الهبلة" نصحها أن تتغطى، وألا تأمن على نفسها من رجل، وأنه:

شارٍ بأسواق الهوى بياعِ

قالت: فما ماضيك؟ قلت: تفرجي

جثثٌ وأمراضٌ وبئر أفاعِ

عودي لأمك ما أنا بحمامةٍ

فغريزة الجزارِ تحت قناعي

ولا يكتفي الإمام الأعظم بالوحل الجنسي، ونضال المواخير، فقد يعنّ له أحياناً أن يفتي وينظر ويجتهد. ومن آرائه الابتكارية التي يشارك فيها (بتوع أفيون الشعوب): "العري أكثر حشمة من التستر"!!

ويذهب إلى أن أعظم خطر ابتليت به أمة لا إله إلا الله هو الزواج، وأن الحل للقضاء على هذا الخطر هو فتح الأبواب "ع البحري" ولا جواز ولا وجع دماغ: "لو كنت حاكماً لألغيت مؤسسة الزواج، وختمت أبوابها بالشمع الأحمر"!!

وليته اكتفى بهذا "العكّ القباني" لكنه تمادى وتطاول كثيراً كثيراً على الله تعالى، وعلى مقامات النبوة.. فالله - تعالى وعز وجل - يموت في شعر نزار:

"علمني كيف أقص جذور هواك من الأعماق

علمني كيف يموت اللهُ وتنتحر الأشواق"

والله تعالى وعز وجل يتعب ويسأم ويبالغ ويفكر"؟!!" في شعر جريء وقحٍ له:

من أين يا ربِّ عصرت الجنى

وكيف فكرت بهذا الفم؟

وكيف بالغتَ بتدويره؟

وكيف وزعت نقاطَ الدم؟

وكيف بالتوليب سَوَّرتهُ؟

بالورد بالعنّاب بالعَنْدَم؟

وكيف ركزتَ إلى جنبه

غمّازةّ تهزأُ بالأنجم؟

كم سنةً ضيعت في صنعه.

قل لي: ألم تتعب؟ ألم تسأمِ

· وهو - كأجساد عشيقاته - متمرد على الله تعالى:

لا تستبدي برأيك فوق فراش الهوى

لأني من الله لا أتلقى الأوامر

* الله عنده يُذْعَرُ - سبحانه وتعالى - ويفرّ:

وطن بدون نوافذ

هربت شوارعُهُ / مآذنهُ / كنائسه

وفرّ الله مذعوراً..

وفرّ جميع الأنبياء

· وفي شهادته الخاصة التي تخالف منطوق كلمة التوحيد "أشهد أن لا امرأةً إلا أنت" يقول أبو النزر:

ماذا سيخسر ربي

وقد رسم الشمس تفاحةً

وأجرى المياه وأرسى الجبالا

إذا هو غيّر تكويننا

فأصبح عشقي أقل اعتدالاً

وأصبحت أنت أقلّ جمالاً؟!

ولو رحت أتتبع الأعمال كلها، والزوايا كلها لاحتجت لصفحات كثيرة.. وإنما هي نفثة عجلى.. لكن تذكر - قارئي العزيز - أن كثيرين انتظروا جنازته الكريمة ليشبعوا لطماً وعويلاً وتأبيناً لفقيد الإسلام والعروبة والإنسانية والشرق الأوسط والكونغو وجزر الكناري!!

وارتقب معي: كيف ستكون المناحات واللطم بالأقلام وتسويد الصفحات "السقافية" بالحبر الأسود الحزين بمناسبة وبغير مناسبة..

اللهم ارحمنا من الانفتاح النزاري، ومن جماعة المثلث الوردي يا رب العالمين.. اللهم آمين.

وتعليقاً على كلام الأستاذ عبدالسلام البسيوني أقول: لم يكن نزار وأقرانه إلا مغتصبين أدعياء لمفهوم الحب. اتخذوه وسيلة لإشاعة الفاحشة بين المؤمنين ولهدم قيم العفة والطهارة بل والإيمان في مجتمعات المسلمين.. أما الحب الحقيقي فهو منهم براء.. ونحن كذلك.



من واحة شعر المحبين



وهذه طائفة من أشعار العاشقين نقلناها لك من اختيارات الشيخ السلمان في موارد الظمآن لدروس الزمان يقول المؤلف:

وإليك طرفاً مما حدث بأسباب النظر إلى النساء مما أدى بالإنسان إلى ضياع الوقت والأمراض وآخرها الموت - نسأل الله العافية - سقناها لتأخذ حذرك ولا تهمل طرْفك فيجني عليك واسمع إلى قول من تولعوا بنساء عفيفات وكن متيقظاً حذراً لئلا تقع في شبكة العشق المؤدية إلى ضياع الوقت.

1- من أشعار المتقدمين :

قال بعض من ابتلي بذلك فمرض وأشرف على الموت نسأل الله العافية.

(1) ماذا عليكِ إذا خُبرتِ بي دَنِفاً

رهن المنية يوماً أن تعوْديني

وتجعلي نُطفة في القعب باردة

فتغمسي فاك فيها ثم تسقيني

(2) قالوا تصبَّر فما هذا الجنون بها

فقلت يا قومُ ليس القلبُ من قبلي

قل للبخيلة بالسلام تورعاً

كيف استبحت دماً ولم تتورعي

هل تسمحين ببذل أيسر نائلٍ

أن أشتكي بثي إليك وتسمعي

(3) أجد الملامة في هواك لذيذة

حُباً لذكرك فليلمني اللوم

(4) فياليت أني يوم تدنو منيتي

شممت الذي ما بين عينك والفم

وليت غسيلي كان ريقك كُلّه

وليت حنوطي من مُشاشك والدم

(5) وقائلةٍ ماذا الشحوب وذي الضنى

فقلت لها قول المشوق المتيّم

أتانا هواك وهو ضيفٌ أُعِزُّهُ

فأطعمته لحمي وأسقيته دمي

(6) لئن ساءني أن نلتِني بمساءة

لقد سرني أني خطرت ببالك



وقال بعضهم يصف حاله مع معشوقته التي تولع بها :

كعصفورة في كف طفل يُهينها

تذوق مرار الموت والطفل يلعبُ

فلا الطفل ذو عقل يرقّ لحالها

ولا الطيرُ متروك الجناحين يذهبُ

(8) إذا ما التقينا والوشاةُ بمجلس

فليس لنا رسلٌ سوى الطرْف للطرْف

وإن غفل الواشون فُزت بنظرة

وإن نظروا نحوي نظرت إلى السقف

(9) أفدي بروحي من شَبهت طلعتها

بطلعة الشمس فاغتاظت لتشبيهي

قالت أللشمس طرْفٌ مثلُ طرفي ذا

إن كنت تفهم معنى من معانيه

أو هل بها مثلُ خَدِّي في تورّده

أو هل بها مثل قدّي في تثنّيه

فقلتُ دونك فاقتصي بلا حرجٍ

هذا لساني الذي أخطا فُعضيهِ

(10) قد كان لي قبل الهوى خاتمٌ

واليوم لو شئتُ تمنطقتُ به

فنيت حتى صرتُ لو زُجَّ بي

في مقلة الوَسنان لم ينتبه

(11) وهيفاءُ لا أصغي إلى من يلومني

عليها ويغريني بها أن أعيبها

أميلُ بإحدى مقلتيَّ إذا بدتْ

إليها وبالأخرى أُراعي رقيبها

وقد غفل الواشي ولم يدرِ أنني

أخذتُ لعيني من سُليمى نصيبها

(12) ثقي بالذي في القلب منك فإنّهُ

عظيم لقد حصنتُ سرَّك في سرِّي

(13) أعانقها والنفسُ بعدُ مشوقةٌ

إليها وهل بعد العناق تَدَاني

وألثمُ فاها كي تزول حرارتي

فيشتدُّ ما ألقى من الهيمانِ

(14) ولما التقينا والدموع سواجمٌ

خرستُ وطرْفي بالهوى يتكلمُ

حواجبنا تقضي الحوائج بيننا

ونحنُ سكوتٌ والهوى يتكلمُ

(15) تَساهمَ ثوباها ففي الدرع رأدةٌ

وفي المِرط لفاوانِ رد فهما عَبْلُ

فو الله ما أدري أزيدت ملاحةً

وحُسناً على النسوان أم ليس لي عقلُ

(16) لئن طلبوا مني لدعواي شاهداً

فإن شهودي أربعٌ ثم أربعُ

نحولٌ وذلٌّ واشتياقٌ وغُربةٌ

ووجدٌ وأشجان وصدٌ وأدمعُ

(17) أما وجلال الله لو تذكرينني

كذكرِيك ما كفكفت للعين مدمعا

فقالت بلى والله ذكراً لو أنه

يُصبُّ على صُمّ الصفا لتصدَّعا

(18) سلبتِ عظامي كلها فتركتِها

مجردة تُضحى لديك وتحضرُ

وأخليتها من مُخها فكأنها

أنابيبُ في أجوافها الريحُ تصفُرُ

إذا سمعت باسم الحبيب تقعقعتْ

مفاصللها من خوف ما هي تنطُرُ

خُذي بيدي ثم ارفعي الثوب تنظري

ضنى جسدي لكنني أَتستّرُ

وليس الذي يجري من العين ماؤها

ولكنها رُوحي تذوبُ فتقطرُ

(19) وإني لتعروني لذكراك روعةٌ

لها بين جلدي والعظام دبيبُ

فما هو إلاَّ أنْ أراها فُجَاءةًَ

فأبهتُ حتى لا أكاد أُجيبُ

(20) هل الحبُّ إلاّ زفرةٌ بعد رفرةٍ

وحرٌّ على الأجساد ليس له بَرْدُ

وفيضُ دموع تستهلّ إذا بدا

لنا علمٌ من أرضكم لم يكن يبدُو

(21) ولمَّا وقفنا والرسائلُ بيننا

دموع نهاها الوجدُ أن تتوقفا

ذكرنا الليالي في العقيق وظلَّها الـ

نيقَ فقطعنَ القلوبَ تأسفاً

(22) وإني لتعروني لذكراك هِزةٌ

كما انتفض العُصفورُ بلّلهُ القطرُ

(23) وأخرج من بين البيوت لعلني

أحدّثُ عنك النفس في السير خاليا

(24) ليتني - إذا رأيتها - كلي عيون

فبعينين فلستُ منها أشبعُ

(25) لي في محبتها شهودٌ أربعُ

وشهودُ كل قضيةٍ إثنانِ

خفقان قلبي واضطراب جوانحي

ونُحولُ جسمي وانعقاد لساني

(26) حَمِدتُ إلهي إذ بلاني بحبها

على حَوَلٍ أغنى عن النظر الشزر

نظرتُ إليها والرقيب يظنني

نظرتُ إليه فاسترحت من العُذرِ

(27) أتبكي على لبنى وأنتَ تركتها

فكنت كآتٍ حتفَهُ وهو طائعُ

فيا قلب خبّرني إذا شطَّت النوى

بلُبنى وبانت عنك ما أنت صانعُ

(28) خُذوا بدمي ذات الوشاح فإنني

رأيتُ بعيني في أناملها دميْ

ولا تقتلوها إنْ ظفرتُم بقتلها

ولكن سلوها كيف حل لها دمي

وقولوا لها يامُنية النفس إنني

قتيل الهوى والعشق لو كُنتِ تعلمي

(29) لو كان لي صبرها أو عندها جزعي

لكنتُ أملك ما آتي وما أدعُ



إذا دعا باسمها داع ليحزنني

كادت لهُ شُعبةٌ من مُهجتي تقعُ

(30) لم يبقَ لي بعدكم رسمٌ ولا طَللُ

إلا وللشوق في حافاتِهِ عَمَلُ

إذا شممتُ نسيماً من بلادكم

فقدتُ عقلي كأني شاربٌ ثمِلُ

(31) أُدير لحاظ القلب فيَّ لتنظري

إلى مُفلسٍ من صبره عنك مُعدم

ولا تُرسلي هذي اللواحظ كُلها

فواحدةٌ تكفيك قتل المُتيمِ

(32) أقولُ لعيني حين جادتْ بدمعها

وإنسانها في لُجة الدمع يَغرقُ

خُذي بنصيبٍ من محاسن وجهها

ذري الدمعَ لليوم الذي نتفرقُ

(33) أقولُ لها رُدّي الحديث الذي انقضى

وذكراك من ذاك الحديث أُريدُ

يُجددُ تذكارُ الحديث مودتي

فذكرك عندي والحديثُ جديدُ

أُناشدها إلا تُعيدُ حديثها

كأني بطيءُ الفهم حينَ تُعيدُ

(34) يَعدُّ عليَّ الواشيان ذُنوبها

ومن أين للوجه المليح ذُنوبُ

(35) وإياكَ ذكرَ العامرية إنني

أغارُ عليها من فم المُتكلِّمِ

أغار عليها من أبيها وأمها

ومن مضغةِ المسواك إذ مُصَّ في الفمِ

أغار على أعطافها من ثيابها
إذا وضعتها فوقَ جسم مُنعَّمِ

وأحسدُ كاسات يُقَبِّلنَ ثغرها
إذا وضعتها موضع اللثمِ في الفمِ

عراقيةُ الأطراف مكيةُ الحشا
حجازيةُ العينين طائية الفمِ

(36) لها حِكمُ لُقمان وصورةُ يوسفٍ

ونغمةُ داود وعفةُ مريمِ

وليْ ضُرُّ أيوبٍ ووحشةُ يُونسٍ

وأحزانُ يعقوبٍ وحسرةُ آدمِ

(37) والله ما طلعتْ شمسٌ ولا غربتْ

إلاَّ وأنت مُنى قلبى ووسواسي

ولا جلستُ إلى قوم أحدثهم

إلا وأنتِ حديثي بين جُلاًّسي

ولا هممتُ بشُربِ الماءِ من عطشٍ

إلا رأيتُ خيالاً منكِ في الكاسِ

(38) رُوحي إليك بِكُلِّها قد أجمعت

لو كان فيكِ هلاكُها ما أقلعتْ

تبكي عليك بِكُلّها عن كُلها

حتى يُقال من البُكاءِ تقطعتْ

(39) ولي عبراتٌ تستهلّ صبابةً

عليكِ إذا بَرقُ الغمامِ تألقا

ألفتُ الهوى حتى حَلَتْ لي صُرُوفُهُ

ورُبَّ نعيمٍ كان جَالبُهُ شَقَا

وأذهلُ حتى أحسبُ الصَّدَ والنَّوى

بمعتركِ الذكرى وصالاً ومُلتقى

فها أنا ذُوْ حالين أمّا تلذذيْ

فحيُّ وأَمَّا سلوتيْ فلكِ البَقا

(40) ما كان ضَرّك يا شقيقةَ مُهْجتي

لو أنْ بعثت تحيةً تُحييني

زكِّيْ جمالاً أنتِ عنهُ غنيةٌ

وتصدَّقي منهُ على المسكينِ

(41) ورأيتها في الطرس تكتبُ مَرّةً

غلطاً وتمحو خطها برُضابها

ووددت لو أني أكونُ صحيفةً

ووددتُ أن لا تهتدي لصوابها

(42) أمسي وأصبح من تذكاركم قلقاً

يَرثى لي المُشفقان الأهل والولدُ

قد خدَّد الدمع خدي من تذكّركُم

واعتادني المُضنيان الشوقُ والكمدُ

وغاب عن مُقلتي نومي فنافرها

وخانني المُسعدانِ الصبرُ والجلَدُ

لا غروَ للدمع أن تجريْ غواربُهُ

وتحتهُ الخافقان القلبُ والكبدُ

كأنَّما مُهجتي نِضْوٌ ببلقعةٍ

يعتادُهُ الضاريان الذئبُ والأسدُ

لم يبقَ إلاَّ خَفِيُّ الروح في جَسَدي

فداؤك الباقيان الروحُ والجَسَدُ

(43) رُدُّوا المطيَّ وإلا رَدَّها نَفَسي

وأدمعي فَهُما سيلٌ ونيرانُ

يا سائقَ الظعنِ قلبي في رِحالِكُمُ

أمانةٌ رَعيُها والحفظُ إيمانُ

(44) وكان فؤادي خالياً من حُبكمُ

وكان بذكر الخلق يلهو ويَمرحُ

فلمَّا دعى قلبي هواكِ أجابهُ

فليس أراه عن فنائك يبرحُ

رُميتُ بِبُعد منكِ إنْ كُنتُ كاذباً

وإنْ كُنْتُ في الدنيا بغيركِ أفرحُ

فإن شئت واصلتِ وإنْ شئتِ قاقطعي

فلستُ أرى قلبي لغيركِ يَصلحُ

(45) وإنَّي إذا اصطكتْ رِقابُ مطيِّكم

وثَوَّرَ حاد بالرفاق عَجولُ

أخالفُ بين الراحتينِ على الحشا

وأنظرُ أنّي مِلتُمُ فأميلُ

(46) وفي حُبِّ ذاتِ الخالِ لامت عصابةُ

يظنون أنّي لست بالحب أمسح

يقيسون حالي في الغَرامِ بحالهم

وكُلُ إناء بالذي فيه يَنضحُ

(47) وعِزَّةِ الله ما لي عَنكُمُ عِوَضٌ

وليس لي بسواكُم بعدَكُم غَرَضُ

ومن حديثي بكم قالوا به مرضٌ

فَقلتُ : لا زال عنّي ذلك المرضُ

(48) ففي بُعدها عني وفاتي وقُربُها

حياتي وإسعادي ونَيْلُ مرامي

ومن وجنتيها نارُ وَجدي وخَصرُها

نُحُولي ومنْ سُقم الجُفونِ سِقامي

فكُنْ عاذريْ يا عاذلي فدلالُها

دليل على وَجدي بها وغَرامي

(49) تجول خلاخيلُ النساءِ ولا أرى

لِرَمْلَةَ خَلْخالاً يَجُولُ وُلا قُلْبَا

أُحبُّ بني العوّامِ من أجلِ حُبها

ومنْ أجلها أحببتُ أخوالها كَلْبَا

(50) نالتْ على يدها ما لم تَنَلهُ يدي

نقشاً على مِعصمٍ أوهتْ به جَلَدي

كأنه طُرْقُ نمل في أناملها

أو روضةٌ رصَّعَتها السُّحبُ بالبردِ

سألتُها الوصلَ قالت لا تكن عبِثا

من رامَ مِنَّا وصالاً ماتَ بالكمدِ



2- من أشعار المعاصرين :



""عَبرات البَيـن "

مصطفى صادق الرافعي

من دونكِ البينُ يا ليلى ومن دوني

وبعض ما كان قبل البين يكفيني

خطا إليَّ خُطى الآجال ساربةً

في القلب والقلبُ لا يدري إلى حينِ

خطىً كنسف الجبال الراسيات على

نفسي وكالدمع دمع الحزن في اللينِ

تمشي على الأمل الزاهي فتحطمهُ

وقد يرفّ رفيفاً كالرياحين

وتغمر الحبَّ ظلاً بعدما صبغتْ

مني الشباب حواشيهِ بتلوينِ

يا بينُ ما ضربات الدهر غير خطىً

تمشي بها في المحبينَ المساكينِ

شيئان ما لهما في الناس تعزيةٌ

ولا تعزّيهما يوماً بمظنونِ

قلب بأضلاع مشتاقٍ تجاذبهُ

يدُ الفراق وعقل عند مجنونِ

يا بينُ ويحك ما أبصرت قطّ‍ سوى

شخصي حبيبينِ من هذي الملايينِ

رفقاً بلؤلؤةٍ في جانبي صَدَفٍ

ضُمَّا عليها كضمّ القلبِ للدّينِ

فلو ترى الهائم المسكين مرتعداً

من النوى كذبيح تحت سكّينِ

روح ضئيل وشخص جامد وهوىً

بَرْحٌ وهمُّ سليبِ العقل مفتونِ

ملقىً لدى الناس لو أبصرت حالتهُ

في الناسِ أبصرتَ ميتاً غير مدفونِ

ليتَ الفراق نجا بي من عواذلها

ولو إلى مطرحٍ في القبر يطويني

كأسٌ ظمئتُ لها حتى إذا عرضت

شرقتُ منها بما قد كان يُرديني
ترنيمة حب..

نجيب الكيلاني

هواها الشجو والأرقُ وقلبي لم يزل يثقُ

أهيمُ بعالم النجوى وروحي فيه تحترقُ

أنادي: يا معذبتي فيرجعُ لي الصدى القَلِقُ

فلم يَبْسم لنا فجرٌ ولم يعزف لنا غَسَقُ

وتظلم صفحة الدنيا ويغمر أضلعي ألَقُ

فيا عجباً لقصتنا يمازح طهرها نَزَقُ

فراديسٌ ونيرانٌ وعقل شَابَه خَرَقُ

أرى العشَّاق قد عادوا لمرفئهم وما غرقوا

ولكنْ مَوْجُنا العالي يشتتنا ويصطفقُ

حكايتنا محيّرةٌ على الشطآن تنطلقُ

روَوْا عن حبنا قصصاً فهل في قولهم صدقوا؟

أباريقي قد امتلأت بآهاتي وما رفقوا

وما فتئت تسامرني به الآهات والحُرَقُ

أيُخفي الحبُّ أسراراً وكيف وسرُّه عَبِقُ؟

إذا أخفيت عاطفة تراوغني وتنطلقُ

ودمع العين فضّاحٌ كذاك الشعر والورقُ

شهيد أنت يا قلبي فأنت بحبها مزَقُ

تروح.. تجيءُ مشتعلاً وقد تاهت بك الطرقُ

تغني للأسى الدامي وبالعبرات تختنقُ

فيا بشرى لمن صبروا ويا طوبى لمن عشقوا


اعتذار

ولا يفوتنا الاعتذار عما ورد من تعبيرات تخالف شرع الله أملاها مرض العشق على أصحابها الشعراء كوصف مفاتن الجسد الظاهرة وكذلك ما لا يحلّ من اللثم والضم والتقبيل وكالقسم بالمحبوبة من دون الله وكالتعبير عن العبادة لها أو الحج إليها وكالتلاعب بالألفاظ التي لا تليق بمقام القرآن وقدسيته كالتعبير بأول الرعد عن مرارة الحب وبأول سورة الأعراف عن نيل ما حرّم الله من المحبوبة، ولكن هكذا يفعل العشق بمن ابتلوا به نسأل الله العفو والعافية.



((( hgpf))) ------> hjp]n hgd drvhiJ ;hlg ggthz]i




 |~   تـوقـيـع: مـ كل حي احساسه حي ـو   

  رد مع اقتباس
قديم 04-01-2010, 10:15 PM   رقم المشاركة : ( 2 )


 
لوني المفضل : Cadetblue
رقم العضوية : 1116
تاريخ التسجيل : Nov 2009
فترة الأقامة : 810 يوم
أخر زيارة : 29-12-2011
العمر : 1
المشاركات : 2,606 [ + ]
عدد النقاط : 10
 
 
 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

ЂЯĕжŜâŧ غير متواجد حالياً

افتراضي



يعطيكـ ربي الفــ عافية
ماقصرتـ ......



 |~   تـوقـيـع: ЂЯĕжŜâŧ   

يآكثر مآيطرِي على البآل توقيع,
ولآشفت لي توقيعٍ يرضِي غ ـروريْ..!
إن مآحصلْ توقيعٍ فوقْ التُوآقيْع,
وإلآعَنْ التوقِيع يكفيْ حُ ـضُورِيْ ..! ***
  رد مع اقتباس
قديم 04-01-2010, 11:11 PM   رقم المشاركة : ( 3 )
ღ منسق المواضيع ومراقب الاقسام ღ


 
لوني المفضل : cyan
رقم العضوية : 335
تاريخ التسجيل : Jun 2009
فترة الأقامة : 969 يوم
أخر زيارة : 11-02-2012
المشاركات : 12,564 [ + ]
عدد النقاط : 14
الدوله ~
الجنس ~
 
 
 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

•°لـيہثہ الہشہمہالہ°• غير متواجد حالياً

افتراضي



بس تنوية بسيط ياليت في المرة القادمة الخط يكبر شوى.. مشكوووور ويعطيك العافية



 |~   تـوقـيـع: •°لـيہثہ الہشہمہالہ°•   

أسهر بليلي وأكثر العالم رقود × ولا احدٍ درى بالقلب واللي يحرّه

القلب من فرقا المواليف مضهود × في كل صبح وليل يزداد حرّه
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]

ẁłŢĥ ŸõŭاĔļҒ
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
شــلة حسب الله (- تسقط السحالي

  رد مع اقتباس
قديم 04-01-2010, 11:47 PM   رقم المشاركة : ( 4 )
۞ مشرف سابقا ۞::


 
لوني المفضل : darkblue
رقم العضوية : 317
تاريخ التسجيل : Jun 2009
فترة الأقامة : 984 يوم
أخر زيارة : 08-02-2012
الأقامة : القصيم
المشاركات : 6,419 [ + ]
عدد النقاط : 10
الدوله ~
الجنس ~
 
 
 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

عہٌطراْلْـمہٌحبةَ غير متواجد حالياً

افتراضي



الله يعطيك العافيه ومااقصرتي.



 |~   تـوقـيـع: عہٌطراْلْـمہٌحبةَ   

[youtube]http://www.youtube.com/watch?v=8AGTdbSdSgc&NR=1[/youtube]

  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

((( الحب))) ------> اتحدى الي يقراهـ كامل للفائده


مواضيع ذات صله بوح الخواطر , خواطر رومانسيه , خواطر عتاب وحزن , خواطر × خواطر


« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
•:•. قامـوس في ♥ العشـــق ♥ بجميع الاحرف .•:•. عذبة الطفولة القسم العام - المواضيع العامة 9 12-03-2011 07:19 PM
أحلى كلام في الحب.. مجنونة بوح الخواطر , خواطر رومانسيه , خواطر عتاب وحزن , خواطر × خواطر 5 04-10-2010 08:03 PM
إُْْْبــجــــــ{حـبـنـآ}ـــــديآت ضحكها هيبة بكاها القسم العام - المواضيع العامة 5 04-07-2010 01:00 AM
قاموس في العشق بجميع الأحرف رماد الشوق بوح الخواطر , خواطر رومانسيه , خواطر عتاب وحزن , خواطر × خواطر 6 13-05-2010 10:43 AM
اهــــــــزم * الحـــــب* بالحـــــب* سعد القسم العام - المواضيع العامة 9 17-08-2009 08:47 PM


الساعة الآن 05:10 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
  | تصميم وتركيب : توتـآ ديزآين ~